لا يملك مريض الثلاسيميا في سوريا رفاهية انتظار تحسن الظروف الصحية أو انتظام سوق الدواء. فالعلاج بالنسبة إليه ليس موعداً يمكن تأجيله، ولا دواءً يمكن الاستغناء عنه لأيام، وإنما سلسلة متواصلة من عمليات نقل الدم والأدوية والفحوص الطبية التي تستمر طوال الحياة.
وتعيد الشكاوى الأخيرة من القنيطرة، حيث يواجه المرضى صعوبة في تأمين الدم وبعض أصناف العلاج وغياب مركز متخصص داخل المحافظة، فتح ملف أوسع يتجاوز محافظة واحدة، ليطرح سؤالاً حول قدرة النظام الصحي السوري على تأمين علاج منتظم لمرضى يحتاجون إلى رعاية مستمرة في مختلف المناطق.
القنيطرة.. المشكلة تبدأ من الطريق
في القنيطرة، لا تتوقف المعاناة عند نقص بعض الأدوية، إذ لا يوجد حتى الآن مركز متخصص لعلاج الثلاسيميا داخل المحافظة. وبحسب معلومات صحية محلية، فإن المرضى مسجلون في مراكز بدمشق وريفها ودرعا، بينما يقتصر دور مستشفى الجولان الوطني في الحالات الإسعافية على نقل الدم، ولا يقدم برنامجاً تخصصياً متكاملاً للمرضى.
وتشير مديرية صحة القنيطرة إلى وجود نحو 57 طفلاً من مرضى الثلاسيميا ممن يراجعون الخدمات الصحية في المحافظة، فيما يجري العمل على إحصاء أوسع للمرضى تمهيداً للمطالبة بإحداث مركز متخصص يخفف عنهم أعباء التنقل إلى دمشق ودرعا.
لكن ثمة تطوراً إيجابياً شهدته المحافظة خلال العام الحالي، إذ بدأ مستشفى الجولان الوطني في أيار تشغيل وحدة دم جديدة بشكل تجريبي، بعد أن كان المرضى يضطرون في بعض الحالات إلى التوجه خارج المحافظة للحصول على وحدات الدم. وتهدف الخطوة إلى تطوير الوحدة تدريجياً لتصبح بنك دم متكاملاً.
ومع ذلك، فإن وجود وحدة دم لا يحل وحده مشكلة مريض الثلاسيميا، الذي يحتاج إلى متابعة تخصصية وفحوص دورية وأدوية للسيطرة على مضاعفات العلاج بنقل الدم.
الدم.. حاجة لا تتوقف
الثلاسيميا من أمراض الدم الوراثية التي قد تتطلب عمليات نقل دم متكررة، خصوصاً لدى الحالات الشديدة. ومع تكرار عمليات النقل، يتراكم الحديد في الجسم، ما يجعل العلاج بخالبات الحديد جزءاً أساسياً من الرعاية طويلة الأمد.
وهنا تصبح المشكلة مزدوجة: المريض يحتاج إلى الدم بشكل منتظم، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى العلاج الذي يحد من آثار تراكم الحديد الناتج عن نقل الدم المتكرر.
وفي القنيطرة، تحدث مرضى عن انتظار وحدات الدم والحاجة إلى متبرعين، في وقت تنظم فيه جمعيات وفعاليات محلية حملات للتبرع لتعويض النقص في المخزون. وفي 5 تشرين الأول الحالي، أطلقت حملة تبرع بالدم في المحافظة بهدف دعم مخزون بنك الدم وتأمين الوحدات اللازمة للمشافي والاحتياجات الطبية الطارئة.
ولا تبدو المشكلة محصورة بالقنيطرة. ففي طرطوس، نظمت مديرية الصحة خلال أيلول حملة تبرع بالدم لدعم مخزون البنك وتأمين احتياجات المرضى، ومن بينهم مرضى الثلاسيميا، مع إعلان استمرار حملات التبرع بصورة دورية.
الدولة تحاول زيادة مخزون الدم
على المستوى الوطني، تظهر خلال 2026 خطوات لإعادة تأهيل منظومة بنوك الدم. فقد أعلنت المؤسسة العامة لبنوك الدم تنفيذ عمليات ترميم وتحديث لعدد من المراكز، واستبدال قسم من أجهزة التبريد والحفظ وأجهزة الفحوص، إلى جانب العمل على تحسين سلاسل التبريد وسلامة الدم.
وبحسب المؤسسة، بلغ عدد المتبرعين خلال 2025 نحو 460 ألف شخص، مع إنتاج يقارب 650 ألف منتج دموي، فيما تجاوز الإنتاج خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 230 ألف وحدة، مع توقعات بوصول المخزون الإجمالي إلى نحو 600 ألف كيس دم مقطوف بنهاية العام.
هذه الأرقام تعكس محاولة لإعادة بناء قطاع الدم، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل مريض في كل محافظة يحصل على حاجته في الوقت المناسب، إذ تختلف الحاجة والمخزون وآليات النقل بين المناطق.
الدواء.. خطوة كبيرة لا تعني انتهاء المشكلة
في آذار الماضي، أعلنت وزارة الصحة تسلم عشر شاحنات من الأدوية والمستلزمات الطبية المخصصة لمرضى الثلاسيميا وأمراض الكلى، بتمويل من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وقالت الوزارة إن الكميات المؤمّنة تكفي احتياجات مرضى الثلاسيميا لمدة عام، مع توزيعها على مديريات الصحة في مختلف المحافظات.
هذه الخطوة يمكن أن تشكل دعماً مهماً للمرضى، لكنها تتقاطع مع واقع مختلف على الأرض؛ إذ لا تزال بعض المناطق تسجل نقصاً في أصناف محددة من الأدوية.
وفي القنيطرة، أفادت مديرية الصحة بأن المرضى يحصلون على الأدوية عبر وزارة الصحة، لكن جميع الأصناف المطلوبة ليست متوفرة حالياً بصورة منتظمة، فيما يضطر بعض المرضى إلى شراء العلاج من السوق، وسط ارتفاع الأسعار مقارنة بقدرتهم على تحمل تكاليف العلاج المستمر.
وفي مناطق أخرى، ظهرت المشكلة بصورة أكثر حدة. ففي ريف حلب الغربي، أُغلق مركز كان يقدم خدمات لمرضى الثلاسيميا بعد توقف الدعم، ما ترك المرضى أمام صعوبة تأمين الدم والأدوية والفحوص التي كانوا يحصلون عليها مجاناً.
من القنيطرة إلى القامشلي.. المشكلة سورية
وفي شمال شرقي البلاد، أفاد الهلال الأحمر الكردي خلال أيار 2026 بأن أكثر من 400 مريض ثلاسيميا يراجعون عيادته في القامشلي بصورة منتظمة، مع الإشارة إلى وجود نقص في الأدوية وعدم توفر إحصاء دقيق وشامل لجميع المرضى في المنطقة.
وتكشف هذه الأرقام عن جانب آخر من المشكلة: سوريا لا تزال بحاجة إلى قاعدة بيانات وطنية دقيقة ومحدثة لمرضى الثلاسيميا، تحدد أعدادهم ومناطق وجودهم واحتياجاتهم الدوائية ونمط علاجهم، بما يسمح بتوزيع الأدوية ووحدات الدم وفق الاحتياجات الفعلية.
عندما يصبح الدعم الخارجي جزءاً من العلاج
أمام ضعف الموارد، لعب الدعم الإنساني دوراً مهماً في استمرار برامج علاج الثلاسيميا خلال السنوات الماضية. وتُظهر تجربة برامج علاجية سابقة في شمال شرق سوريا أن توفير الدم الآمن وخالبات الحديد واجه تحديات كبيرة، وأن انتظام التبرع بالدم كان عاملاً أساسياً لاستمرار العلاج.
وتبرز أهمية خالبات الحديد تحديداً لأن نقل الدم المتكرر يؤدي إلى تراكم الحديد، ويمكن لهذا التراكم أن يؤثر في أعضاء حيوية مثل القلب والكبد والبنكرياس إذا لم تتم السيطرة عليه. كما أظهرت دراسة سورية منشورة حديثاً أن ارتفاع مخزون الحديد لا يزال مشكلة سريرية مهمة لدى مرضى بيتا ثلاسيميا، ما يؤكد أن نقل الدم وحده لا يمثل علاجاً كاملاً.
هل المشكلة في الدواء أم في المنظومة؟
القضية، كما تظهر من الحالات المختلفة، لا يمكن اختزالها في نقص دواء أو كيس دم.
فالمريض يحتاج إلى مركز قريب، وطبيب مختص، وفحوص منتظمة، ودم آمن، وخالبات حديد مناسبة، وسلسلة تبريد فعالة، وسجلات طبية دقيقة، وقدرة على الوصول إلى الخدمة دون تحمل نفقات سفر متكررة.
ولهذا فإن افتتاح بنك دم أو وصول شحنة أدوية يمثلان خطوة مهمة، لكنهما لا يكفيان وحدهما لبناء برنامج وطني مستدام للثلاسيميا.
وتبدو الحاجة أكبر في المحافظات التي لا تضم مراكز متخصصة، حيث يضطر المرضى إلى السفر لمسافات طويلة في كل مرة يحتاجون فيها إلى متابعة أو فحص أو علاج.
الوقاية تبدأ قبل الزواج
ولا يرتبط ملف الثلاسيميا بالعلاج فقط، فالمرض وراثي، ما يجعل الكشف المبكر والاستشارة الوراثية والفحص قبل الزواج أدوات مهمة للحد من ولادات جديدة مصابة بالحالات الشديدة.
وتشير دراسة سورية حديثة إلى وجود ثغرات في التوعية والاستشارة الوراثية والوقاية والتطعيم والمتابعة الطبية لدى المرضى، وتدعو إلى تعزيز الفحص الوراثي والرعاية متعددة الاختصاصات.
وهنا يصبح البرنامج الوطني المطلوب أوسع من تأمين الدواء: يبدأ بالتوعية والفحص، ويمر بالتشخيص المبكر، ولا ينتهي عند تأمين الدم وخالبات الحديد والرعاية النفسية والاجتماعية.
المريض لا يستطيع الانتظار
بين حملات التبرع بالدم وشحنات الأدوية وإعادة تأهيل بنوك الدم، يمكن رصد خطوات تحسن بعض جوانب الرعاية الصحية لمرضى الثلاسيميا في سوريا خلال 2026.
لكن استمرار شكاوى المرضى في محافظات مختلفة يكشف أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن المشكلة الأساسية هي ضمان الاستمرارية، لا مجرد تأمين دفعة دواء أو تنظيم حملة تبرع.
فمريض الثلاسيميا لا يحتاج إلى حل مؤقت كل بضعة أشهر، بل إلى منظومة تعمل كل شهر وكل أسبوع وكل يوم.
وفي بلد أنهكته سنوات الحرب وتراجع القطاع الصحي، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع سوريا الانتقال من إدارة أزمة الثلاسيميا إلى بناء برنامج وطني مستدام، يضمن للمريض الدواء والدم والمتابعة أينما كان، بحيث لا يصبح مكان إقامته عاملاً يحدد فرص حصوله على العلاج؟
بالنسبة لمريض الثلاسيميا، الإجابة ليست مسألة إدارية. إنها الفرق بين علاج منتظم ومضاعفات يمكن تفاديها، وبين انتظار جديد لا يحتمل التأجيل.