لكل السوريين

من معيلة للأسرة إلى عماد الاقتصاد المنزلي.. نساء الساحل السوري يواجهن الغلاء بساعات عمل مضاعفة

لم يعد خروج المرأة إلى سوق العمل في مدن وبلدات الساحل السوري خياراً يرتبط بتحقيق الاستقلال المادي أو تطوير المسار المهني، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ضرورة فرضتها الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، بعدما أصبحت آلاف الأسر تعتمد على دخل النساء لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي اللاذقية وطرطوس وريفهما، تبدلت صورة سوق العمل بصورة واضحة، إذ ارتفع حضور النساء في المتاجر والمطاعم والمخابز وورش الخياطة والمشاريع المنزلية، إلى جانب استمرارهن في العمل داخل المدارس والمشافي والمؤسسات الخدمية، بينما اتجهت أخريات إلى إطلاق مشاريع صغيرة من منازلهن، مثل إعداد الوجبات المنزلية والحلويات، وصناعة المؤونة، والأعمال اليدوية، والتسويق الإلكتروني.

ويرى باحثون اجتماعيون أن هذا التحول لم يكن نتيجة تغير في النظرة الاجتماعية إلى عمل المرأة فحسب، بل جاء استجابة مباشرة لتراجع دخول الأسر، وغياب فرص العمل الكافية للرجال، واتساع رقعة الفقر، ما جعل مساهمة المرأة في تأمين الدخل عاملاً أساسياً لاستمرار كثير من العائلات.

وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن نسبة الأسر التي تعيلها النساء في سوريا ارتفعت خلال سنوات النزاع، نتيجة فقدان المعيل أو الهجرة أو البطالة أو تراجع الدخل، وهو ما دفع كثيراً من السيدات إلى دخول مهن لم تكن مألوفة بالنسبة لهن سابقاً، سواء في القطاع الخدمي أو التجاري أو الإنتاج المنزلي.

وفي المناطق الريفية، بقيت المرأة حاضرة في الأعمال الزراعية وتربية الدواجن والمواشي وإنتاج الألبان والمونة المنزلية، إلا أن تراجع العائد الاقتصادي من هذه الأنشطة دفع كثيرات إلى البحث عن مصادر دخل جديدة، مثل بيع المنتجات مباشرة للمستهلكين أو عبر صفحات التواصل الاجتماعي، في محاولة لتجاوز الوسطاء وتحقيق هامش ربح أكبر.

أما في المدن، فقد توسعت مشاركة النساء في الوظائف التي تعتمد على التواصل مع الزبائن، وإدارة المبيعات، والعمل في المقاهي ومحال الألبسة والصيدليات والمكاتب الخدمية، إضافة إلى ازدياد الإقبال على العمل الحر عبر الإنترنت، خصوصاً في مجالات التصميم والترجمة والتعليم عن بعد والتسويق الرقمي.

ورغم هذا الحضور المتزايد، لا تزال العاملات يواجهن تحديات كبيرة، أبرزها انخفاض الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف الحياة، وغياب الضمانات الاجتماعية والتأمين الصحي في كثير من منشآت القطاع الخاص، فضلاً عن محدودية فرص الترقية والتدريب المهني.

ولا ينتهي يوم المرأة العاملة عند انتهاء ساعات الدوام، إذ تنتظرها مسؤوليات منزلية تشمل إعداد الطعام، وتنظيف المنزل، ورعاية الأطفال أو كبار السن، ما يجعلها تؤدي عملياً وظيفتين متواصلتين، إحداهما مدفوعة الأجر، والأخرى غير مدفوعة، لكنها لا تقل أهمية في الحفاظ على استقرار الأسرة.

ويؤكد مختصون في قضايا التنمية أن استمرار هذا الواقع يتطلب سياسات تدعم المرأة العاملة، من خلال تحسين بيئة العمل، وتوسيع فرص التدريب والتأهيل، وتوفير حضانات للأطفال، وتعزيز المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر التي تمكن النساء من تحقيق دخل مستدام دون أعباء مالية كبيرة.

كما يشدد خبراء الاقتصاد على أن تمكين النساء اقتصادياً لا ينعكس على أوضاعهن الشخصية فحسب، بل يسهم في تعزيز قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، وتنشيط الأسواق المحلية، ورفع معدلات الإنتاج، خاصة في المجتمعات التي تعرضت لتغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة خلال السنوات الماضية.

وفي الساحل السوري، لم تعد المرأة مجرد شريك في إدارة شؤون الأسرة، بل أصبحت في كثير من الحالات عمودها الاقتصادي الأساسي، تحمل مسؤولية تأمين الدخل إلى جانب مسؤولياتها التقليدية داخل المنزل، في مشهد يعكس حجم التحولات التي فرضتها الأزمة، ويؤكد أن قصص النساء العاملات باتت جزءاً من قصة الصمود اليومي للسوريين في مواجهة الظروف المعيشية القاسية.

- Advertisement -

- Advertisement -