دخلت المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الحرب في قطاع غزة مرحلة شديدة الحساسية، بعدما برز خلاف جوهري حول ترتيب تنفيذ بنودها، في وقت تحاول فيه واشنطن دفع الأطراف نحو اتفاق يربط بين إنهاء العمليات العسكرية وإعادة رسم المشهد الأمني والسياسي في القطاع.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن عن التوصل إلى ما وصفه بـ”اتفاق تاريخي” يشكل أساساً لإنهاء الحرب، معتبراً أن المبادرة تمهد لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية وإطلاق مرحلة إعادة الإعمار ضمن إطار دولي جديد. إلا أن ردود الفعل الصادرة عن الأطراف المعنية أظهرت أن الطريق إلى التنفيذ لا يزال محفوفاً بعقبات سياسية وأمنية معقدة.
وتتمحور أبرز نقاط الخلاف حول أولوية تنفيذ الالتزامات، إذ تشترط إسرائيل تجريد الفصائل الفلسطينية من سلاحها قبل أي انسحاب عسكري من قطاع غزة، معتبرة أن ذلك يمثل الضمانة الأساسية لمنع عودة المواجهات مستقبلاً.
في المقابل، تؤكد حركة حماس أن أي ترتيبات تتعلق بالسلاح يجب أن تأتي بعد وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، إلى جانب توفير ضمانات دولية تحول دون استئناف العمليات العسكرية بعد تنفيذ الاتفاق.
أما حركة الجهاد الإسلامي، فأبدت تحفظها على المسودة المطروحة، مؤكدة أن الوثيقة لا تزال قيد النقاش ولم تتحول إلى اتفاق نهائي، وهو ما يعكس استمرار التباين داخل الفصائل الفلسطينية بشأن تفاصيل المرحلة المقبلة.
ويرى مراقبون أن المفاوضات تجاوزت مسألة تثبيت وقف إطلاق النار، لتدخل مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بمستقبل إدارة قطاع غزة بعد الحرب، وهو الملف الذي يتداخل فيه البعدان الأمني والسياسي بصورة غير مسبوقة.
وتسعى الإدارة الأميركية، وفق التصور المطروح، إلى ربط إعادة إعمار القطاع بإقامة إدارة مدنية فلسطينية جديدة، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، بما يضمن وجود سلطة واحدة تتولى إدارة غزة، مع إشراف دولي على تنفيذ مراحل الاتفاق ومراقبة التزام جميع الأطراف ببنوده.
وتشير المعطيات إلى أن المبادرة تتضمن مراحل متدرجة تبدأ بوقف العمليات العسكرية، وتوسيع دخول المساعدات الإنسانية، ثم الانتقال إلى ترتيبات إدارية وأمنية، وصولاً إلى إعادة الإعمار وإطلاق مشاريع تنموية بتمويل دولي، في حال الالتزام الكامل بالاتفاق.
إلا أن هذه الرؤية تصطدم بتباين عميق في أولويات الأطراف؛ فإسرائيل ترى أن تفكيك البنية العسكرية للفصائل شرط أساسي لأي انسحاب، بينما تعتبر حماس أن إنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي يمثلان الأساس الذي يمكن البناء عليه لمناقشة بقية الملفات.
ويعتقد محللون أن هذه المعضلة ليست جديدة، لكنها اكتسبت هذه المرة أهمية أكبر، لأن الاتفاق لا يقتصر على إنهاء جولة القتال الحالية، بل يسعى إلى رسم معادلة سياسية وأمنية جديدة لقطاع غزة، وهو ما يجعل كل بند مرتبطاً مباشرة بتوازنات المرحلة المقبلة.
كما يواجه الاتفاق تحديات إضافية على الأرض، في ظل استمرار العمليات العسكرية، وتباين مواقف القوى الفلسطينية، إضافة إلى الحاجة لضمانات دولية قادرة على إلزام جميع الأطراف بتنفيذ تعهداتها، وهو ما شكل نقطة ضعف في عدد من المبادرات السابقة.
ويرى متابعون أن نجاح المبادرة الأميركية سيعتمد على قدرة الوسطاء على إيجاد صيغة توازن بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية والمطالب الفلسطينية المتعلقة بوقف الحرب والانسحاب، إذ إن أي إخفاق في معالجة هذه النقطة قد يعيد المفاوضات إلى مربعها الأول.
وبين الطموح الأميركي لإنهاء الحرب وإعادة تشكيل الواقع السياسي في غزة، وتعقيدات المشهد الميداني وتضارب حسابات الأطراف، يبقى مستقبل الاتفاق رهناً بإمكانية تجاوز عقدة “من ينفذ أولاً”، وهي العقدة التي لطالما أعاقت محاولات التوصل إلى تسويات دائمة في القطاع.