تحولت حوادث السير في سوريا خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا حضوراً في المشهد اليومي، بعد تزايد الأخبار عن وقوع تصادمات وانقلابات مركبات على الطرق العامة، مخلفة قتلى وجرحى وخسائر مادية متكررة. ويجمع مختصون على أن معظم هذه الحوادث ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكم عوامل بشرية وفنية وبنية تحتية متهالكة، يمكن الحد منها بإجراءات أكثر صرامة.
ورغم غياب قاعدة بيانات وطنية محدثة تنشر إحصاءات دورية عن حوادث السير، فإن المتابعة اليومية لما تعلنه الجهات الرسمية ووسائل الإعلام المحلية تظهر ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الحوادث، خصوصاً على الطرق الدولية والرئيسية التي تربط المحافظات.
حوادث شبه يومية
شهدت الأسابيع الماضية وقوع حوادث متكررة في محافظات دمشق وحلب وحمص وحماة والرقة وإدلب ودير الزور، تنوعت بين تصادمات مباشرة، وانقلاب حافلات نقل جماعي، ودهس مشاة، إضافة إلى حوادث دراجات نارية، وأسفرت في كثير من الحالات عن وفيات وإصابات متفاوتة الخطورة.
ويشير مراقبون إلى أن تكرار هذه الحوادث يعكس وجود خلل يتجاوز أخطاء السائقين، ليشمل واقع الطرق، وحالة المركبات، وضعف الالتزام بقواعد المرور.
السرعة تتصدر الأسباب
يرى خبراء في السلامة المرورية أن السرعة الزائدة تبقى العامل الأكثر تسبباً بالحوادث الخطرة، إذ تقلل من قدرة السائق على التحكم بالمركبة أو تفادي المفاجآت، كما تزيد من شدة الاصطدام عند وقوعه.
ويضاف إلى ذلك الانشغال باستخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة، والتجاوز الخاطئ، وعدم الالتزام بالأولوية، والقيادة لساعات طويلة دون راحة، فضلاً عن قيادة بعض المركبات من قبل أشخاص لا يمتلكون الخبرة الكافية.
طرق متهالكة ومركبات تفتقر للصيانة
لا تقتصر المشكلة على السائقين، فالكثير من الطرق السورية تعاني من تشققات وحفر وانعدام الإنارة، إضافة إلى ضعف الإشارات المرورية والحواجز الواقية، وهو ما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث، خاصة خلال الليل أو في الظروف الجوية السيئة.
وفي المقابل، تعتمد نسبة كبيرة من المركبات على قطع تبديل مستعملة أو صيانة غير منتظمة بسبب ارتفاع التكاليف، ما يؤدي إلى أعطال مفاجئة في المكابح أو الإطارات أو أنظمة التوجيه، وهي عوامل تسهم بشكل مباشر في وقوع الحوادث.
الدراجات النارية.. الخطر المتزايد
برزت الدراجات النارية خلال السنوات الأخيرة كأحد أبرز مصادر الحوادث، مع انتشار استخدامها بشكل واسع في المدن والأرياف، وغالباً من دون خوذات واقية أو التزام بقواعد السير، فضلاً عن قيادة بعض القاصرين لها، الأمر الذي رفع أعداد الإصابات، خاصة بين فئة الشباب.
التكلفة الاقتصادية للحوادث
لا تتوقف آثار حوادث السير عند الخسائر البشرية، بل تمتد إلى أعباء اقتصادية كبيرة تشمل تكاليف العلاج والإسعاف، وإصلاح المركبات، وفقدان مصدر دخل العديد من الأسر بعد إصابة أو وفاة أحد معيليها، فضلاً عن الضغط الذي تفرضه الإصابات الخطرة على المشافي وأقسام الطوارئ.
ما المطلوب للحد من الظاهرة؟
يرى مختصون أن الحد من حوادث السير يتطلب خطة متكاملة تشمل:
تشديد الرقابة على السرعة والمخالفات المرورية.
صيانة الطرق وإصلاح النقاط السوداء التي تتكرر فيها الحوادث.
إلزام السائقين بإجراء الفحص الفني الدوري للمركبات.
تنظيم استخدام الدراجات النارية وفرض ارتداء الخوذ الواقية.
إطلاق حملات توعية مرورية تستهدف السائقين، ولا سيما فئة الشباب.
تطوير منظومة الإسعاف والاستجابة السريعة للحوادث.
مسؤولية مشتركة
ويؤكد مختصون أن السلامة المرورية لا تعتمد على القوانين وحدها، بل تبدأ من سلوك السائق واحترامه لقواعد السير، إلى جانب تطوير البنية التحتية وتعزيز الرقابة المرورية. ومع استمرار ارتفاع أعداد الحوادث، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني استراتيجية وطنية للحد من نزيف الطرق، حفاظاً على أرواح المواطنين وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية التي باتت تتكرر بشكل شبه يومي.