السوري ـ السويداء
مع بداية عمليات حصاد القمح في محافظة السويداء، يلوح موسم زراعي أفضل من الأعوام السابقة بعد تحسن واضح في إنتاجية المحصول نتيجة الهطولات المطرية التي انعكست إيجابًا على معظم المناطق، إلا أن فرحة المزارعين لا تزال منقوصة أمام ارتفاع تكاليف الزراعة والحصاد وصعوبات تصريف الإنتاج.
ورغم وصف عدد من المزارعين الموسم الحالي بأنه من أفضل المواسم خلال السنوات الأخيرة، فإن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، بدءًا من المحروقات والأسمدة وصولًا إلى أجور الآليات والعمال، جعل تحقيق مردود اقتصادي جيد تحديًا قائمًا.
ويأتي هذا التحسن بعد سنوات من تراجع إنتاج القمح بفعل الجفاف، إذ أعادت الأمطار الأمل إلى كثير من المزارعين، إلا أن بعض مناطق المحافظة لم تستفد من الموسم بالقدر نفسه، إذ بقيت أراضي في الريفين الشمالي والغربي خارج دائرة الزراعة خلال هذا العام.
ارتفاع النفقات يضغط على المزارعين
يقول مزارعون في السويداء إن الإنتاجية تحسنت بشكل ملحوظ، لكن تكاليف الموسم ارتفعت بالتوازي، ولا سيما مع زيادة أسعار المازوت وأجور الآليات الزراعية والأسمدة.
ووصف خالد، وهو مزارع من قرية حوط في الريف الجنوبي، الموسم بأنه “ممتاز” مقارنة بالأعوام الماضية، لكنه أشار إلى أن ارتفاع تكلفة المحروقات جعل الزراعة أكثر عبئًا على المزارعين.
وأوضح مزارعون آخرون أن الحسابات النهائية للموسم لم تتضح بعد بسبب استمرار عمليات الحصاد، مشيرين إلى أن بعضهم يفضل الاحتفاظ بالمحصول في الوقت الحالي وعدم طرحه للبيع مباشرة، في ظل عدم وضوح ظروف التسويق.
وطالب المزارعون بتوفير المحروقات والحصادات بما يسهّل عمليات الحصاد ويخفف الأعباء المالية، مؤكدين أن بيع المحصول أصبح حاجة أساسية للكثير من الأسر الزراعية لتأمين متطلبات المعيشة.
الحصاد بين كلفة الآليات والاعتماد على اليد العاملة
شكّلت أجور الحصاد إحدى أبرز العقبات هذا الموسم، إذ وصلت أجرة الحصادة إلى نحو 100 ألف ليرة للدونم الواحد، بينما تراوحت أجور الحصاد اليدوي بين 150 و250 ألف ليرة للدونم بحسب المنطقة وطبيعة العمل.
وقال أحد أصحاب الحصادات في المحافظة إن رفع الأسعار جاء نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، خصوصًا أسعار المازوت وقطع التبديل وأجور الصيانة، ما انعكس على أجور الخدمات الزراعية.
ودفع ارتفاع التكاليف بعض المزارعين إلى العودة للحصاد اليدوي بمساعدة أفراد الأسرة، لتقليل النفقات، رغم ما يتطلبه ذلك من وقت وجهد إضافيين.
كما أشار مزارعون إلى أن انخفاض أسعار التبن وضعف الطلب عليه هذا العام قلّلا من العائدات التي كانت تساعد سابقًا في تغطية جزء من تكاليف الإنتاج.
وكان المزارعون في مواسم سابقة يعتمدون على استفادة مربي المواشي من بقايا المحاصيل مقابل تحمل جزء من أجور الحصاد، إلا أن تراجع الطلب على التبن حدّ من هذه الميزة.
التسويق التحدي الأبرز بعد الإنتاج
رئيس اتحاد الفلاحين في السويداء سامر السعدي اعتبر أن الموسم الحالي من أفضل المواسم التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن الأمطار الجيدة انعكست على إنتاجية القمح بعد انتظار طويل لموسم مماثل.
وأوضح السعدي أن تقديرات إنتاج القمح في المحافظة تصل إلى نحو 25 ألف طن، وبعد حسم احتياجات المزارعين من البذار والمؤونة المنزلية يبقى قرابة 15 ألف طن قابلة للتسويق.
وأشار إلى أن الاتحاد نسق مع أصحاب الحصادات لوضع أسعار تأشيرية للحصاد، بلغت 80 ألف ليرة للدونم عند حصاد التبن و60 ألف ليرة للدونم عند حصاد القش، مع بقاء الاتفاق النهائي بين المزارع وصاحب الآلية.
وأكد أن ملف تسويق المحصول يمثل التحدي الأكبر أمام المزارعين، في ظل الحاجة إلى آليات واضحة لاستلام الإنتاج وتأمين تصريفه.
وكان سعر شراء القمح قد حُدد بداية بـ4600 ليرة للكيلوغرام، قبل رفعه إلى 5500 ليرة للكيلوغرام للدرجة الأولى، بعد مطالبات من المزارعين برفع السعر بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج.
تفاوت الإنتاج بين مناطق المحافظة
وأظهرت جولات ميدانية أجرتها لجنة فنية من مديرية الزراعة والبحوث العلمية الزراعية تفاوتًا في واقع المحصول بين مناطق السويداء.
وسجلت قرى الهويا وملح وصلخد والقريا حالة جيدة للمحصول مع توقعات بإنتاج مبشر، بينما تراوحت حالة القمح بين المتوسطة والضعيفة في مناطق أخرى مثل بكا وذيبين وأم الرمان والغارية، خاصة في المناطق الجنوبية.
وأرجعت اللجنة أسباب التفاوت إلى عوامل عدة، أبرزها تأخر مواعيد الزراعة، وزيادة معدلات البذار، وانتشار الأعشاب الضارة، إضافة إلى انحباس الأمطار خلال مرحلة امتلاء الحبوب، وعدم تنفيذ عمليات الخدمة الزراعية اللازمة خلال فترة السبات.
ودعت مديرية الزراعة المزارعين إلى الالتزام بالمواعيد المناسبة للزراعة، واعتماد معدلات البذار الموصى بها، ومكافحة الأعشاب، وتطبيق الدورة الزراعية ومراقبة الحقول بشكل مستمر.
ورغم أن موسم القمح الحالي أعاد الأمل إلى مزارعي السويداء بعد سنوات صعبة، فإن نجاحه النهائي يبقى مرتبطًا بقدرة المزارعين على تسويق إنتاجهم بأسعار تغطي التكاليف وتضمن استمرار زراعة القمح في المحافظة.