لم تكن الجولة الافتتاحية من كأس العالم 2026 مجرد بداية اعتيادية للبطولة الأكبر في تاريخ اللعبة، بل تحولت إلى عرض كروي استثنائي أعاد رسم موازين القوى وأكد أن الفوارق التقليدية بين الكبار والصغار باتت تتقلص يوماً بعد آخر. وفي قلب هذا المشهد، خطفت المنتخبات العربية والأفريقية الأضواء، بعدما قدمت مستويات لافتة وفرضت نفسها رقماً صعباً في مواجهة أبرز المرشحين للقب.
وكان المنتخب المغربي عنواناً بارزاً لهذه البداية المثيرة، بعدما نجح “أسود الأطلس” في فرض التعادل على البرازيل بهدف لمثله أمام أكثر من 80 ألف متفرج، في مباراة أكد خلالها رفاق حكيم زياش أن إنجاز مونديال قطر لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل مشروعاً كروياً متكاملاً قادراً على منافسة أعتى المدارس العالمية. ورغم محاولات “السيليساو” المتواصلة، لم يجد البرازيليون طريق النجاة سوى عبر لمسة حاسمة من فينيسيوس جونيور، ليخرج المغرب بنتيجة ثمينة تعزز حظوظه في المجموعة الثالثة.
وعلى النهج ذاته، قدم المنتخب المصري واحدة من أبرز مفاجآت الجولة بعدما فرض التعادل على بلجيكا بهدف لمثله في مواجهة أظهر خلالها “الفراعنة” شخصية قوية وانضباطاً تكتيكياً لافتاً. ولم يكن المنتخب المصري بعيداً عن تحقيق انتصار تاريخي بعدما أهدر أكثر من فرصة محققة في الشوط الثاني، مكتفياً بنقطة حملت في طياتها رسالة واضحة بأن مصر عادت لتنافس الكبار على الساحة العالمية.
وفي الدقائق الأخيرة من مواجهة سويسرا، خطف المنتخب القطري أول نقطة في تاريخه المونديالي بفضل هدف قاتل سجله بوعلام خوخي في الدقيقة الخامسة والتسعين، ليمنح “العنابي” تعادلاً ثميناً ويؤكد أن المنتخب الخليجي دخل البطولة بعقلية مختلفة تحت قيادة المدرب جولين لوبيتيغي.
أما العراق، فرغم خسارته أمام النرويج، عاش لحظة تاريخية بعودة “أسود الرافدين” إلى التسجيل في كأس العالم بعد غياب أربعة عقود، عبر رأسية أيمن حسين التي أعادت إلى الأذهان هدف الراحل أحمد راضي في مونديال 1986. كما سجل الأردن حضوره التاريخي الأول تهديفياً عبر علي علوان الذي دون أول أهداف المملكة في كأس العالم ونال جائزة رجل المباراة، فيما انتزعت السعودية تعادلاً ثميناً أمام أوروغواي، لتبقى الجزائر المنتخب العربي الوحيد الذي عجز عن زيارة الشباك في الجولة الأولى.
ثورة أفريقية على التوقعات
في الجهة المقابلة، جاءت الردود الأفريقية قاسية على كل الأصوات التي شككت في جدوى توسيع البطولة. فمن أرخبيل الرأس الأخضر الصغير انطلقت واحدة من أكبر قصص البطولة، بعدما أجبر المنتخب الإسباني، بطل أوروبا، على التعادل السلبي في نتيجة تاريخية منحت البلاد أول نقطة مونديالية في تاريخها.
وكان الحارس المخضرم فوزينيا بطل تلك الليلة الاستثنائية، بعدما تصدى لمحاولات الإسبان وحوّل المباراة إلى ملحمة دفاعية خالدة، لتتحول قصته إلى حديث الجماهير ووسائل التواصل الاجتماعي حول العالم.
ولم تكن جمهورية الكونغو الديمقراطية أقل جرأة، بعدما فرضت التعادل على البرتغال بقيادة كريستيانو رونالدو، مؤكدة أن المنتخبات الأفريقية لم تعد تكتفي بدور الضيف في المونديال، بل باتت شريكاً حقيقياً في صناعة المفاجآت والمنافسة.
الكبار يردون بقوة
ورغم صعود نجوم العرب وأفريقيا، فإن كبار اللعبة لم يتأخروا في إعلان حضورهم. فقد قاد ليونيل ميسي منتخب الأرجنتين إلى فوز عريض على الجزائر بثلاثية نظيفة سجل منها “البرغوث” ثلاثية تاريخية، معادلاً الرقم القياسي لأفضل هداف في تاريخ كأس العالم.
بدوره، افتتح كيليان مبابي البطولة بصورة مثالية بعدما قاد فرنسا لتجاوز السنغال بثنائية عززت مكانته كأحد أبرز نجوم الجيل الحالي، فيما دوّن إرلينغ هالاند أول ظهور مونديالي له بثنائية قادت النرويج للفوز على العراق، منهياً صياماً نرويجياً امتد منذ مونديال فرنسا 1998.
في المقابل، عاش كريستيانو رونالدو أمسية صعبة أمام الكونغو الديمقراطية، حيث بدا بعيداً عن مستواه المعتاد، ليواصل ابتعاده عن التسجيل في البطولات الكبرى وسط تساؤلات متزايدة بشأن دوره في تشكيلة البرتغال.
التعادلات.. العنوان الأبرز
إحصائياً، فرضت التعادلات نفسها كأبرز ظواهر الجولة الأولى. فمن أصل 24 مباراة، انتهت تسع مواجهات بالتعادل، بنسبة قاربت 38 بالمئة، وهو رقم غير مسبوق منذ مونديال 1958.
ويرى مراقبون أن النظام الجديد للبطولة، الذي يمنح فرصة التأهل لبعض أصحاب المركز الثالث، دفع العديد من المنتخبات إلى اعتماد أساليب أكثر حذراً وانضباطاً، ما ساهم في تقليص الفوارق الفنية ورفع مستوى التنافس بين مختلف المدارس الكروية.
ورغم ذلك، لم تغب الغزارة التهديفية عن المشهد، إذ شهدت الجولة تسجيل 49 هدفاً بمعدل تجاوز هدفين في المباراة الواحدة، فيما تصدرت ألمانيا المشهد الهجومي باكتساحها كوراساو بسبعة أهداف مقابل هدف.
مدرجات تهز الأرقام القياسية
الحضور الجماهيري بدوره كان استثنائياً، حيث تجاوز عدد الحاضرين في بعض المباريات حاجز 80 ألف متفرج، بينما حطم مجموع الحضور في أحد أيام البطولة الأرقام القياسية المسجلة منذ مونديال 1994.
وبين مفاجآت العرب، وثورة الأفارقة، وتألق النجوم العالميين، أكدت الجولة الأولى من مونديال 2026 أن البطولة تسير نحو نسخة مختلفة واستثنائية، عنوانها الأبرز أن كرة القدم لم تعد تعترف بالأسماء والتاريخ فقط، بل بمن يملك الجرأة والشخصية فوق المستطيل الأخضر.