في زوايا البيوت السورية وورش العمل الصغيرة، ما زالت أصوات الإبر وهي تخترق الأقمشة، وحركة الأيدي وهي تنسج الخيوط وتشكل القطع التراثية، تحمل حكايات أجيال متعاقبة. فالحرف اليدوية التي ارتبطت طويلًا بالذاكرة الشعبية لم تعد مجرد موروث ثقافي، بل أصبحت بالنسبة لكثير من النساء السوريات وسيلة للحفاظ على الهوية ومصدرًا للدخل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
من التطريز اليدوي وصناعة المنسوجات إلى الأعمال الفخارية والإكسسوارات التراثية وإعادة إحياء المنتجات القديمة، وجدت نساء سوريات في هذه الحرف مساحة للتعبير عن مهاراتهن وتحويل خبرات ورثنها عن الأمهات والجدات إلى مشاريع صغيرة تحمل طابعًا ثقافيًا واقتصاديًا في آن واحد.
التراث في يد المرأة
لطالما ارتبطت الحرف التقليدية بالمرأة السورية، إذ كانت الجدات والأمهات ينقلن مهارات التطريز والخياطة والنسيج داخل الأسرة، باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية والتراث المحلي.
لكن السنوات الأخيرة دفعت الكثير من النساء إلى إعادة النظر في هذه المهارات، فلم تعد الحرفة مجرد نشاط منزلي، بل تحولت إلى فرصة للعمل وتحقيق دخل يساعد الأسرة.
تقول عدد من العاملات في هذا المجال إن ما يميز المنتجات اليدوية هو ارتباطها بقصة وهوية، فكل قطعة تحمل تفاصيل من البيئة السورية، سواء من خلال الألوان أو النقوش أو طرق التصنيع التي تختلف بين منطقة وأخرى.
من الهواية إلى مشروع صغير
تبدأ العديد من النساء مشاريعهن من المنزل، باستخدام أدوات بسيطة وإمكانات محدودة، قبل أن تتوسع بعض التجارب تدريجيًا من خلال المشاركة في المعارض والأسواق المحلية أو التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وترى العاملات في الحرف اليدوية أن التحدي الأكبر لا يرتبط بصناعة المنتج فقط، بل بالقدرة على تسويقه والوصول إلى الزبائن، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الأولية وصعوبة المنافسة أمام المنتجات الجاهزة.
ورغم ذلك، تواصل كثير من النساء العمل في هذا المجال باعتباره يجمع بين الحفاظ على التراث وتحقيق استقلال اقتصادي، إذ تمنحهن الحرفة فرصة للاعتماد على أنفسهن والمساهمة في تحسين ظروف أسرهن.
التطريز.. ذاكرة لا تنقطع
يعد التطريز من أكثر الحرف حضورًا في المشهد التراثي السوري، إذ تختلف تصاميمه وأشكاله بين المناطق، وتحمل الغرز والرسومات رموزًا مرتبطة بالبيئة والعادات والتقاليد.
وتقول نساء يعملن في التطريز إن تعلم هذه الحرفة لم يكن مجرد اكتساب مهارة، بل كان ارتباطًا بتاريخ عائلي وثقافي، إذ انتقلت المعرفة من جيل إلى آخر عبر سنوات طويلة.
اليوم، تحاول بعض النساء تقديم التطريز بأساليب حديثة تتناسب مع الذوق المعاصر، عبر إدخاله في تصميم الملابس والحقائب والقطع المنزلية، للحفاظ عليه وجعله قابلًا للاستمرار في السوق.
تحديات تواجه الحرفيات
رغم أهمية هذه الحرف، تواجه النساء العاملات فيها مجموعة من الصعوبات، أبرزها ارتفاع تكلفة المواد الخام، وضعف قنوات التسويق، إضافة إلى محدودية الدعم والتدريب المتخصص في بعض المناطق.
كما أن الإنتاج اليدوي يحتاج وقتًا طويلًا مقارنة بالمنتجات الصناعية، ما يجعل المنافسة في الأسواق أكثر صعوبة، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية لدى كثير من المستهلكين.
وتطالب بعض الحرفيات بزيادة فرص التدريب، ودعم المشاريع الصغيرة، وفتح أسواق أوسع أمام المنتجات التراثية السورية، باعتبارها جزءًا من الثقافة المحلية ومصدرًا اقتصاديًا يمكن تطويره.
المرأة حارسة الذاكرة الثقافية
لا تقتصر أهمية عمل النساء في الحرف التراثية على الجانب المادي فقط، فهذه الأعمال تمثل وسيلة للحفاظ على جزء من الذاكرة السورية التي تعكس تنوع المناطق والعادات وأساليب الحياة.
وبينما تتغير أنماط الحياة وتتراجع بعض الحرف أمام المنتجات الحديثة، تواصل نساء سوريات حمل مسؤولية إبقاء هذه المهن حاضرة، عبر تحويل الخيط والقماش والخشب والطين إلى منتجات تحمل ملامح الماضي بروح جديدة.
فالحرفة بين أيديهن ليست مجرد عمل، بل قصة انتماء وهوية، ومحاولة لصون التراث وتحويله إلى فرصة للحياة والاستمرار.