لكل السوريين

دلة القهوة في الرقة.. رمز العشائر وذاكرة الكرم المتوارثة

 السوري ـ الرقة

لا تزال دلة القهوة تحتفظ بمكانتها بوصفها إحدى أبرز الرموز الاجتماعية والتراثية في مدينة الرقة، حيث ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعادات العشائرية العربية التي شكّلت هوية المنطقة عبر عقود طويلة. فحضور الدلة في مجالس العشائر لم يكن يومًا مجرد أداة لتحضير القهوة، بل علامة على الهيبة والكرم ومفتاحًا للعلاقات الاجتماعية التي تقوم على الاحترام والتقدير وحسن الاستقبال.

وفي بيوت أبناء العشائر العربية الممتدة في ريف الرقة وباديتها، تتصدر الدلة مشهد المجالس اليومية والمناسبات الاجتماعية، بدءًا من استقبال الضيوف ووصولًا إلى الاجتماعات العشائرية وجلسات الصلح والجاهات. وتبقى القهوة العربية، التي تُسكب من الدلة في الفناجين الصغيرة، جزءًا أساسيًا من طقوس الضيافة التي تعكس مكانة الضيف وقيمة المضيف داخل المجتمع العشائري.

ويؤكد وجهاء ومهتمون بالتراث الشعبي في الرقة أن الدلة ارتبطت تاريخيًا بمفهوم “الفزعة” والكرم العربي، إذ كان إشعال النار ووضع الدلال قرب “الوجار” إعلانًا دائمًا عن جاهزية أهل البيت لاستقبال الضيوف وعابري السبيل، وهي عادة ما تزال حاضرة حتى اليوم في كثير من القرى والبلدات.

وتتميّز الدلال المستخدمة في الرقة بأشكالها التقليدية المصنوعة غالبًا من النحاس أو المعدن المطلي، فيما يحرص بعض الأهالي على اقتناء الدلال القديمة بوصفها إرثًا عائليًا ينتقل بين الأجيال. كما تنتشر الزخارف والنقوش العربية على بعض الدلال، لتتحول من أداة يومية إلى قطعة تراثية تعبّر عن الأصالة والهوية الثقافية للمنطقة.

وترتبط الدلة كذلك بطقوس اجتماعية ذات دلالات خاصة داخل المجتمع العشائري، إذ تختلف طريقة تقديم القهوة وعدد الفناجين باختلاف المناسبة، سواء كانت للترحيب أو الصلح أو إعلان موقف اجتماعي معين. وفي بعض المجالس، ما يزال “صبّ القهوة” مهمة تُسند إلى شخص محدد يجيد أصول الضيافة واحترام التسلسل العشائري في تقديم الفناجين.

ومع التغيرات الاجتماعية الحديثة، حافظت الدلة على حضورها في الرقة رغم تبدل أنماط الحياة، حيث باتت تُستخدم إلى جانب كونها رمزًا تراثيًا في الديكور الشعبي داخل المنازل والمضافات العشائرية والمقاهي ذات الطابع التراثي.

ويرى باحثون في التراث الشعبي أن استمرار حضور الدلة في الرقة يعكس تمسك العشائر العربية بعاداتها الأصيلة، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، إذ تحولت القهوة العربية إلى مساحة اجتماعية تُعيد ترميم الروابط بين الأهالي وتؤكد قيم التكاتف والانتماء.

وبين صوت غليان القهوة ورائحة الهيل المتصاعدة من الدلال، تبقى دلة القهوة في الرقة أكثر من مجرد وعاء تقليدي، فهي حكاية مجتمع ما يزال يرى في الكرم عنوانًا للهوية، وفي المجالس العشائرية امتدادًا لذاكرة عربية عريقة لا تزال حيّة حتى اليوم.

- Advertisement -

- Advertisement -