تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد السوري لكرة القدم وسط سلسلة أزمات إدارية وتنظيمية متلاحقة، أعادت إلى الواجهة ملف الفساد المزمن داخل المؤسسة الرياضية الأكثر شعبية في البلاد، وفتحت باب التساؤلات حول قدرة الإدارة الحالية على قيادة مرحلة انتقالية حقيقية تنهي إرث سنوات طويلة من المحسوبيات والهيمنة السياسية على اللعبة.
فمن قضية الأموال المجمدة لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، إلى إلغاء المباريات الودية، وصولاً إلى اتهامات باستمرار نفوذ شخصيات مرتبطة بالنظام السابق داخل مفاصل القرار الرياضي، تبدو الكرة السورية عالقة في حلقة متكررة من الفوضى الإدارية والتخبط التنظيمي، في وقت ينتظر فيه الشارع الرياضي مشروعاً إصلاحياً واضحاً يعيد الثقة بالمؤسسة الكروية.
أزمة مباراة البحرين تشعل الجدل
جاءت أزمة إلغاء المباراة الودية التي كانت مقررة بين المنتخب السوري ونظيره البحريني في مدينة أنطاليا التركية لتفجر موجة غضب واسعة في الأوساط الرياضية والإعلامية، بعدما علقت بعثة المنتخب لساعات طويلة في مطار العاصمة البيلاروسية “مينسك”، نتيجة مشاكل تنظيمية ولوجستية أثارت تساؤلات حادة حول كفاءة إدارة الاتحاد.
ولم تُنظر إلى الحادثة باعتبارها مجرد خطأ عابر، بل بوصفها مؤشراً جديداً على حالة التخبط الإداري التي تعيشها المؤسسة الكروية السورية، خاصة أنها جاءت بعد سلسلة انتقادات سابقة مرتبطة بإدارة المعسكرات الخارجية، وتنظيم رحلات المنتخبات، وآليات التواصل الإعلامي.
وتحولت الواقعة سريعاً إلى قضية رأي عام داخل الشارع الرياضي السوري، حيث أعادت النقاش حول أسباب تأخر إطلاق مشروع إصلاحي حقيقي يعلن القطيعة مع أساليب الإدارة القديمة، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الشفافية والمؤسساتية.
أموال “فيفا” المجمدة… ملف يثير الشكوك
في مقدمة الملفات المثيرة للجدل، تبرز قضية الأموال المجمدة في حساب الاتحاد الرياضي السوري لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، بسبب العقوبات المرتبطة بالنظام السوري السابق.
وتتهم أصوات رياضية وإعلامية إدارة الاتحاد بالمماطلة في معالجة الملف، وسط مخاوف من غياب الرقابة الواضحة على آليات الصرف والتعامل مع الأموال المخصصة لدعم المنتخبات والبنية التحتية الكروية.
وفي تصريحات صحافية، أكد رئيس الاتحاد السوري لكرة القدم فراس تيت أن الأموال “ليست مجمدة بالكامل”، موضحاً أن الاتحاد يستطيع الصرف منها بموافقات خاصة من “فيفا”، تشمل تذاكر السفر والمعسكرات ورواتب الكوادر الأجنبية وعقود الرعاية.
وأشار تيت إلى أن القيمة الإجمالية للمبلغ تصل إلى نحو 9.25 مليون دولار، مؤكداً أن الاتحاد “شفاف” في كشف تفاصيل الإنفاق، وأن المشكلة الأساسية تتعلق بعمليات التحويل البنكي والعقوبات المفروضة على القطاع المصرفي السوري.
لكن هذه التوضيحات لم تنهِ حالة الجدل، إذ يرى منتقدون أن غياب التقارير المالية الدورية والرقابة المستقلة يفتح الباب أمام الشكوك بشأن إدارة الموارد المالية، خاصة في ظل تاريخ طويل من اتهامات الفساد داخل المؤسسات الرياضية السورية.
فوضى الصلاحيات وغياب التخطيط
الصحافي الرياضي أنس عمو اعتبر أن الأزمة الحالية ليست طارئة، بل نتيجة “فشل إداري تراكمي” امتد لسنوات، مشيراً إلى أن القرارات التنظيمية الأخيرة داخل الاتحاد ساهمت في تعميق الفوضى بدلاً من معالجتها.
وبحسب عمو، فإن إلغاء قسم المنتخبات المسؤول عن الترتيبات اللوجستية ونقل صلاحياته إلى الأمانة العامة أدى إلى تداخل إداري واضح، انعكس بشكل مباشر على أداء المنتخبات الوطنية وتنظيم المعسكرات والرحلات الخارجية.
كما أشار إلى الانتقادات التي طالت معسكر منتخب الشباب في فرنسا، والذي شهد ـ وفق وصفه ـ حالة من سوء التنظيم وضعف الخدمات، إضافة إلى استدعاء لاعبين من مستويات متواضعة، ما أثار تساؤلات حول استمرار المحسوبيات وغياب المعايير الفنية الواضحة.
ويرى متابعون أن المشكلة الأعمق لا تتعلق بالأخطاء الفردية فقط، بل بغياب رؤية مؤسساتية متكاملة لإدارة اللعبة، في وقت تعاني فيه كرة القدم السورية من أزمات متعددة تشمل ضعف البنية التحتية، وتراجع مستوى المسابقات المحلية، وغياب الاستثمارات الحقيقية.
نفوذ “الحرس القديم”
أحد أكثر الملفات حساسية يتمثل في استمرار وجود شخصيات محسوبة على النظام السابق داخل مفاصل الاتحاد الرياضي، رغم الحديث المتكرر عن ضرورة تطبيق “العزل السياسي” وإعادة هيكلة المؤسسات الرياضية.
وتتهم أصوات رياضية بعض الشخصيات النافذة بمحاولة احتكار القرار داخل الاتحاد، مستفيدة من شبكة العلاقات القديمة والخبرة الإدارية المتراكمة، مقابل تهميش شخصيات جديدة محسوبة على التغيير أو الثورة السورية.
وكان من المقرر أن يعقد رئيس الاتحاد فراس تيت اجتماعاً مع إعلاميين وصحافيين رياضيين لمناقشة هذه القضايا، قبل أن يتم تأجيل اللقاء بسبب أزمة المنتخب الأخيرة.
وبحسب مصادر رياضية، فإن الاجتماع المرتقب سيبحث ملفات حساسة، أبرزها إنهاء نفوذ الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق، وإعادة تنظيم آليات العمل داخل الاتحاد، ووضع خطط واضحة لتطوير كرة القدم السورية.
ويرى مراقبون أن استمرار “الحرس القديم” داخل المؤسسة الرياضية يعطل أي عملية إصلاح حقيقية، خاصة أن الشارع الرياضي السوري يعتبر أن سنوات الفساد والمحسوبيات التي عاشتها اللعبة كانت جزءاً من منظومة سياسية أوسع استخدمت الرياضة كأداة نفوذ وسيطرة.
الشارع الرياضي يفقد الثقة
في المقابل، تتزايد حالة الإحباط لدى الجماهير السورية التي كانت تأمل بأن تشكل المرحلة الحالية فرصة لإعادة بناء المؤسسة الكروية على أسس جديدة أكثر احترافية وشفافية.
لكن استمرار الأزمات الإدارية، وتكرار الأخطاء التنظيمية، وغياب المحاسبة الواضحة، كلها عوامل عززت الشعور بأن الاتحاد لا يزال يدور داخل الدائرة نفسها التي عطلت تطور الكرة السورية لعقود.
ويعتقد متابعون أن التحدي الأكبر أمام الإدارة الحالية لا يتعلق فقط بحل أزمة مباراة أو معسكر، بل بإثبات قدرتها على بناء نموذج إداري جديد يقطع فعلياً مع الماضي، ويعيد الثقة بالمؤسسة الرياضية أمام اللاعبين والجمهور والرعاة والاتحاد الدولي.
هل تبدأ مرحلة الإصلاح؟
تواجه كرة القدم السورية اليوم لحظة مفصلية، فإما أن تنجح الإدارة الحالية في تحويل الضغوط المتصاعدة إلى فرصة لإعادة الهيكلة والإصلاح، أو أن تستمر المؤسسة في دوامة الصراعات الداخلية والأزمات التنظيمية التي أنهكت اللعبة لسنوات طويلة.
ومع استمرار الحديث عن قرارات “حاسمة” مرتقبة داخل الاتحاد، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للشارع الرياضي السوري: هل تمتلك المؤسسة الإرادة الفعلية للقطيعة مع إرث الفساد والمحسوبيات، أم أن كرة القدم السورية ستبقى رهينة الصراعات القديمة نفسها، بأسماء مختلفة فقط؟