لكل السوريين

كاميرات المراقبة في حمص.. نافذة أمل وسط الانفلات الأمني

حمص/ بسام الحمد

بعد تدهور الأوضاع الأمنية في الأشهر الماضية وتصاعد موجات العنف والقتل التي أثارت مخاوف السكان في مدينة حمص بوسط سوريا، شرعت الجهات المسؤولة في تركيب كاميرات مراقبة في الشوارع الرئيسية والساحات الحيوية، كجزء من خطة لتعزيز الأمن ومحاربة الجريمة، وتهدئة المناخ الاجتماعي المتوتر. الخطوة تأتي في ظل توترات ما زالت آثارها واضحة في الحياة اليومية لأهالي المدينة، الذين عاشوا منذ زمن طويل أوقاتًا عصيبة بسبب الصراع المستمر والتوترات الطائفية التي تزعزع نسيج المجتمع.

شهدت المدينة خلال الأسابيع الأخيرة حالات من العنف طالت أحياء سكنية، مما دفع الأجهزة الأمنية إلى اعتماد إجراءات استثنائية ومحاولات لكبح تصاعد هذه الحوادث، ومنها تركيب شبكات كاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة.

في حي الحمرا القديم، وقف المواطن سيف الدين الكردي أمام إحدى الكاميرات المثبتة حديثاً وهو يحدق فيها بقلق ممزوج بأمل: “منذ أشهر والناس تخشى الخروج بعد غروب الشمس. بدأت الجرائم تأخذ منحى خطيراً، وشعرنا أن شيئاً ما يجب أن يتغير. ربما تُسهم هذه الكاميرات في ردع المجرمين، لكني لا أزال متشككاً إذا لم تتبعها إجراءات حقيقية من الجهات المختصة”.

كانت حادثة مروعة في بلدة زيدل بريف حمص مثار جدل واسع بعد مقتل رجل وزوجته بطريقة أثارت غضب الأهالي، مع ظهور عبارات على جدران موقع الحادث أسهمت في إذكاء التوترات بين بعض السكان.

استدعى ذلك تدخل الأمن الداخلي وفرض حظر تجول في بعض الأحياء، فيما وُجهت دعوات من قِبل وجهاء المجتمع المدني للعودة إلى السلم الأهلي وتفهّم خطورة الشحن الطائفي. الأهالي عبّروا حينها عن استيائهم من تفشي العنف، مؤكدين أن مثل هذه الأحداث تُعيد إلى الأذهان أياماً قاتمة من الانفلات الأمني الذي عاشته المدينة في مراحل سابقة.

بالنسبة للعديد من السكان، فإن تركيب الكاميرات ليس مجرد وسيلة تقنية، بل أمل بإعادة بعض الشعور بالأمان إلى الشوارع. ليلى عمر، طالبة جامعية في كلية الآداب، تقول: “نحن نعيش تحت وطأة خوف دائم من أن نصبح ضحية جريمة مفاجِئة، سواء كانت سرقة أو إطلاق نار أو اعتداء. وجود هذه الكاميرات قد يوفر لنا وقاية ولو جزئية، لكنه ليس حلاً كاملاً إذا لم يكن هناك متابعة حقيقية من الشرطة والقضاء”.

ورغم أن الكاميرات توفر قدرات رصد وتسجيل تساعد في التحقيقات، إلا أن بعض السكان يرون أن العنصر البشري هو الأساس في تنفيذ القانون والردع، لا الأجهزة وحدها. في حي القرابيص الشعبي، يروي سعيد الموسى صاحب محل خياطة كيف تعرض متجره للسرقة فجر أحد الأيام قبل تركيب الكاميرات: “حاولت تقديم تسجيلات من هواتف الجيران للشرطة، لكنهم قالوا إن الكاميرات المركزية لم تكن عندها تسجيلات في تلك اللحظة لأنها لم تكن مُفعّلة بعد. شعرت حينها بالإحباط لأن الشعور بالعدالة كان بعيداً جداً”.

أما ريم حسون، وهي أم فقدت شقيقها في جريمة قتل طائفية قبل شهر، فتقول إن الحل لا يكمن فقط في التكنولوجيا، بل في بناء مجتمع يرفض العنف بكل أشكاله: “الكاميرات جيدة، نعم، لكنها ليست بديلاً عن احترام القانون والتفاهم بين أبناء المدينة. نحن بحاجة أيضاً إلى برامج للتثقيف المجتمعي ومحاربة الفكر المتطرف الذي يربط بين العنف والطائفة”.

تتضمن الخطة الأمنية توزيع الكاميرات على النقاط الأكثر ازدحاماً والأماكن التي سجلت فيها حوادث متكررة خلال الأشهر الماضية، وربطها بمراكز شرطة يمكنها متابعة الأحداث في الوقت الفعلي، وتفعيل آليات سرعة الاستجابة للحوادث. وقد أبدى بعض رجال الأمن المحليين تفاؤلهم من أن هذه التكنولوجيا ستسهم في كشف المجرمين بسرعة أكبر، وتقديم أدلة قوية في المحاكم لتسريع إجراءات العدالة.

لكن التحديات لا تنتهي عند هذا الحد، إذ أن الوضع الاجتماعي في حمص يبقى حساساً، خاصة مع استمرار الشحن الطائفي بين بعض المجموعات في الأحياء المختلطة. فبعد حادثة القتل التي هزّت المجتمع مؤخراً، نُشر حظر تجول مؤقت في بعض المناطق، وأجريت لقاءات بين القيادات المحلية للأسر والعشائر لمحاولة تهدئة النفوس ومنع ازدياد الانقسام. ولا يزال الكثير من السكان يشعرون بأن الخوف لا يزال متربصًا بهم، وأن كاميرات الشوارع وحدها لا تكفي لطرد الظلال الثقيلة للعنف من مجتمعهم.

في الوقت نفسه، ظهرت مبادرات محلية من المجتمع المدني، حيث نظم بعض الشباب ورش عمل صغيرة حول أهمية التعايش السلمي، وأطلقوا حملات توعية في المدارس والمؤسسات الصغيرة للسكان حول مخاطر الكراهية والاختلافات الطائفية. شيماء الخطيب، معلمة في مدرسة ابتدائية، تقول: “نحاول تعليم أطفالنا أن الاختلاف لا يعني العنف. نحن قادرون على العيش معاً بسلام، لكن هذا يحتاج وقتًا وجهدًا من الجميع”.

إن تركيب كاميرات المراقبة في حمص خطوة قد تُحدث تغييراً إيجابياً على المدى البعيد، لكنها ليست بديلاً عن الإصلاحات الأوسع التي يتطلع إليها السكان في مجالات العدالة، والتعليم، وبناء الثقة بين المجتمع والسلطات. يبقى أصحاب المتاجر والطلاب والأسر يتطلعون إلى يوم يشعرون فيه بالأمان الحقيقي في شوارعهم، بعيداً عن صدى الرصاص وهواجس الانقسام، ليكونوا قادرين على العيش بكرامة وسلام في مدينة حمص التي لطالما كانت رمزاً للتنوع الطائفي والثقافي في قلب سوريا.

- Advertisement -

- Advertisement -