السوري ـ السويداء
لليوم الحادي عشر على التوالي، يواصل طلاب وأهالي محافظة السويداء وقفاتهم الاحتجاجية الصامتة للمطالبة بحق الطلبة في تقديم الامتحانات العامة داخل المحافظة، وسط تصاعد المخاوف من ضياع العام الدراسي على آلاف الطلاب في ظل الظروف الأمنية والمعيشية المعقدة التي تشهدها المنطقة.
وتحوّلت الوقفات التي بدأت بشكل محدود أمام المؤسسات التعليمية والساحات العامة إلى حالة احتجاج مدني متواصلة، يرفع خلالها المشاركون لافتات تؤكد على “حق التعليم” وضرورة “تحييد الطلاب عن الأزمات السياسية والأمنية”، مع مطالبات واضحة بإقرار دورة امتحانية استثنائية تراعي الظروف التي مر بها الطلبة خلال الأشهر الماضية.
ويؤكد المحتجون أن القضية لم تعد مجرد مطلب إداري يتعلق بمراكز الامتحانات، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل جيل كامل يواجه خطر خسارة فرصه التعليمية بسبب تعقيدات التنقل وصعوبة الوصول إلى المحافظات الأخرى لتقديم الامتحانات الرسمية.
أزمة تتجاوز الامتحانات
شهدت محافظة السويداء خلال الفترة الأخيرة حالة من التوتر وعدم الاستقرار انعكست بشكل مباشر على القطاع التعليمي، حيث تعطلت العملية الدراسية في عدد من المدارس، وتراجعت قدرة الطلاب على الالتزام بالدوام المنتظم نتيجة الظروف الاقتصادية والأمنية وارتفاع تكاليف النقل وصعوبة الحركة بين المناطق.
ومع اقتراب الامتحانات العامة، وجد آلاف الطلاب أنفسهم أمام معضلة حقيقية تتعلق بإمكانية السفر خارج المحافظة لتقديم امتحاناتهم، خاصة في ظل المخاوف المرتبطة بالطرق الطويلة والحواجز الأمنية وارتفاع تكاليف التنقل والإقامة.
ويقول مشاركون في الاحتجاجات إن مطلبهم الأساسي يتمثل في ضمان حق الطلاب بتقديم الامتحانات داخل السويداء أسوة ببقية المحافظات السورية، معتبرين أن نقل المراكز الامتحانية أو إجبار الطلبة على السفر يضع عبئاً نفسياً ومادياً إضافياً على العائلات التي تعاني أساساً من ظروف معيشية قاسية.
كما يطالب المحتجون بإقرار دورة امتحانية استثنائية تعويضية، معتبرين أن الانقطاع المتكرر عن الدراسة والظروف غير الطبيعية التي مرت بها المحافظة أثرت بشكل مباشر على التحصيل العلمي للطلاب، ما يستوجب معالجة استثنائية تضمن تكافؤ الفرص.
التعليم في سوريا.. أزمة ممتدة
لا تبدو أزمة طلاب السويداء منفصلة عن واقع التعليم في سوريا عموماً، إذ يعاني القطاع التعليمي منذ سنوات من تحديات عميقة نتيجة الحرب الممتدة والانهيار الاقتصادي وتضرر البنية التحتية ونقص الكوادر التعليمية.
ووفق تقارير أممية ومنظمات حقوقية، فإن مئات آلاف الطلاب السوريين واجهوا خلال السنوات الماضية صعوبات في الوصول إلى التعليم المنتظم، سواء بسبب النزوح أو الفقر أو الأوضاع الأمنية، فيما اضطرت عائلات كثيرة إلى إخراج أبنائها من المدارس نتيجة التكاليف المعيشية المتزايدة.
وفي السويداء تحديداً، أدت الأزمة الاقتصادية الحادة إلى ارتفاع نسب التسرب المدرسي، مع اضطرار عدد من الطلاب للعمل لمساعدة أسرهم، في وقت تعاني فيه المؤسسات التعليمية من ضعف الإمكانيات ونقص الخدمات الأساسية.
ويرى تربويون أن استمرار الاضطرابات دون إيجاد حلول سريعة قد ينعكس سلباً على مستقبل العملية التعليمية في المحافظة، خصوصاً بالنسبة إلى طلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية الذين تعتبر الامتحانات العامة محطة مفصلية في مسارهم الأكاديمي.
أصوات الطلاب والأهالي
داخل ساحات الاحتجاج، يحرص الطلاب على إبقاء تحركهم سلمياً، مؤكدين أن هدفهم الوحيد هو حماية حقهم في التعليم. ويقول أحد الطلاب المشاركين إن “المشكلة ليست في الامتحان نفسه، بل في القدرة على الوصول إليه بأمان”، مضيفاً أن كثيراً من العائلات غير قادرة على تحمل تكاليف السفر والإقامة خارج المحافظة.
وتشير أمهات لطالبات في المرحلة الثانوية إلى أن القلق النفسي بات جزءاً من حياة الأسر مع اقتراب موعد الامتحانات، في ظل غياب أي حلول واضحة حتى الآن، مؤكدات أن الطلاب عاشوا عاماً دراسياً مضطرباً يحتاج إلى مراعاة استثنائية.
كما تتزايد الدعوات داخل المحافظة لتحييد القطاع التعليمي عن التوترات السياسية والأمنية، باعتبار أن الطلاب “ليسوا طرفاً في أي صراع”، وأن ضمان استمرار تعليمهم يمثل أولوية مجتمعية وإنسانية.
صمت رسمي وترقب للحلول
حتى الآن، لم تصدر استجابة رسمية واضحة تلبي مطالب المحتجين بشكل كامل، فيما يواصل الأهالي والطلاب ترقب أي قرارات قد تضمن إجراء الامتحانات داخل المحافظة أو تقديم تسهيلات استثنائية تراعي الظروف الحالية.
ويرى متابعون أن استمرار الاحتجاجات بهذا الزخم يعكس حجم القلق الشعبي المرتبط بمستقبل التعليم، خاصة أن القضية تمس آلاف العائلات بشكل مباشر، في وقت تتراجع فيه قدرة السوريين على تحمل أعباء إضافية نتيجة الأزمة الاقتصادية المستمرة.
ويؤكد ناشطون حقوقيون أن التعليم حق أساسي تكفله المواثيق الدولية، وأن مسؤولية الجهات المعنية تتمثل في ضمان وصول جميع الطلاب إلى امتحاناتهم واستحقاقاتهم التعليمية دون عوائق، مع ضرورة مراعاة الظروف الاستثنائية التي تمر بها المناطق السورية.
كما يشدد حقوقيون على أن أي تأخير في معالجة الملف قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية ونفسية واسعة، خصوصاً لدى الطلاب الذين يعيشون حالة من القلق وعدم اليقين بشأن مستقبلهم الدراسي.
جيل يواجه القلق بالمطالبة السلمية
تكشف احتجاجات السويداء عن جانب آخر من الأزمة السورية المستمرة، حيث لم تعد تداعياتها تقتصر على السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية وحقوق أساسية كالتعليم.
وبينما يواصل الطلاب وقفاتهم الصامتة، تبدو رسالتهم واضحة: حماية مستقبلهم الدراسي يجب أن تكون أولوية تتجاوز الخلافات والتعقيدات القائمة. فبالنسبة إلى كثير من العائلات، لا تمثل الامتحانات مجرد استحقاق أكاديمي، بل فرصة أخيرة للحفاظ على أمل أبنائهم في مستقبل أكثر استقراراً داخل بلد أنهكته سنوات طويلة من الأزمات.