بعد أكثر من عقدين من هيمنة الرئيس رجب طيب أردوغان على الحياة السياسية في تركيا، تبدو البلاد أمام تحوّل اجتماعي وسياسي عميق يتجاوز الأزمات الاقتصادية التقليدية أو الاستقطاب الحزبي المعتاد. فالمشروع الذي نجح في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وصياغة ما عُرف بـ”تركيا الجديدة”، يواجه اليوم اختباراً متزايد الصعوبة مع جيل شاب نشأ بالكامل تقريباً داخل هذا النموذج، لكنه بات أكثر ميلاً إلى مساءلته والتشكيك في وعوده.
أنقرة – لم تعد الأزمة التركية الراهنة مرتبطة فقط بالتضخم أو تراجع سعر الليرة أو التوترات الإقليمية، بل باتت تعكس تحوّلاً أعمق يمس العلاقة بين الدولة وجيل كامل نشأ تحت حكم أردوغان، قبل أن يبدأ تدريجياً في مراجعة المسلمات السياسية والثقافية التي قامت عليها مرحلة “تركيا الجديدة”.
فعلى امتداد أكثر من عشرين عاماً، لم يعد إرث أردوغان مجرد تجربة سياسية مرتبطة بحزب أو حكومة، بل تحول إلى مشروع متكامل أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والتعليم والإعلام والخطاب الديني، وترك بصمة واضحة على الهوية التركية الحديثة. غير أن المفارقة اللافتة تكمن في أن الجيل الذي وُلد وترعرع داخل هذا المشروع يبدو اليوم أقل اقتناعاً به، وأكثر ميلاً إلى انتقاده والبحث عن بدائل مختلفة لمستقبله السياسي والاجتماعي.
وخلال السنوات الأولى من حكم حزب “العدالة والتنمية”، نجح أردوغان في بناء صورة سياسية جمعت بين الاستقرار الاقتصادي والمحافظة الاجتماعية والانفتاح النسبي على العالم. واستفادت تركيا آنذاك من طفرة اقتصادية واسعة رافقها توسع كبير في البنية التحتية وتحسن الخدمات وارتفاع مستويات الدخل، ما منح الحزب قاعدة شعبية واسعة، خاصة بين الطبقات المحافظة والريفية.
لكن المشروع الذي بدأ بوصفه مساراً للإصلاح السياسي والاقتصادي تطور تدريجياً إلى محاولة لإعادة صياغة المجال العام والهوية الثقافية للدولة. ففي قطاع التعليم، توسعت مدارس “إمام خطيب” الدينية بصورة غير مسبوقة، وتحولت من مؤسسات هامشية إلى أحد الأعمدة الرئيسية للنظام التعليمي، بالتوازي مع تعاظم دور رئاسة الشؤون الدينية “ديانت” داخل الحياة العامة.
ورغم أن أنصار الحكومة اعتبروا هذه التحولات استعادة للهوية المحافظة بعد عقود من العلمانية الصارمة، فإن منتقدين رأوا فيها سعياً لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق رؤية سياسية محافظة تعزز النفوذ الأيديولوجي للحزب الحاكم.
إلا أن النتائج لم تأتِ دائماً كما أرادتها السلطة. فبدلاً من إنتاج جيل أكثر التصاقاً بالمشروع المحافظ، بدأت تظهر داخل المدن الكبرى والجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي ملامح جيل أكثر تشككاً في الخطاب الرسمي، وأكثر حساسية تجاه قضايا الحريات الفردية وحرية التعبير والعدالة الاجتماعية.
وشكلت احتجاجات “غيزي بارك” عام 2013 نقطة التحول الأبرز في هذا المسار. فالاحتجاجات التي انطلقت اعتراضاً على مشروع عمراني في إسطنبول سرعان ما تحولت إلى حركة احتجاج واسعة ضد أسلوب الحكم وتزايد التدخل في أنماط الحياة العامة، كاشفة عن فجوة متنامية بين الدولة وقطاعات واسعة من الشباب الحضري المتعلم.
وقد تعاملت السلطات مع تلك الاحتجاجات باعتبارها تهديداً مباشراً للاستقرار السياسي، مستخدمة خطاباً حاداً وإجراءات أمنية وقضائية واسعة. لكن الأثر الأعمق لـ”غيزي بارك” لم يكن في حجم الاحتجاجات نفسها، بل في ما تركته من أثر نفسي وسياسي طويل الأمد لدى جيل شعر بأن مطالبه لا تجد مساحة حقيقية داخل النظام السياسي.
ومنذ ذلك الوقت، اتجهت العلاقة بين الشباب والدولة نحو مزيد من التوتر، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 وما أعقبها من حملات تطهير واسعة داخل مؤسسات الدولة والجامعات والإعلام والقضاء.
وبالنسبة إلى كثير من الشباب، لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي مع الحكومة، بل تحولت إلى شعور متزايد بانكماش المجال العام وتراجع فرص المشاركة السياسية والتعبير الحر. وقد انعكس ذلك بوضوح في تنامي الاحتجاجات الطلابية داخل الجامعات، خصوصاً عقب قرارات حكومية أثارت جدلاً واسعاً حول استقلال المؤسسات الأكاديمية.
وفي موازاة ذلك، لعبت الأزمة الاقتصادية دوراً حاسماً في تعميق هذه الفجوة. فتركيا التي قدمت نفسها لسنوات باعتبارها نموذجاً للنمو والاستقرار، تواجه اليوم ضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الليرة وازدياد معدلات البطالة بين الشباب.
وأدى ذلك إلى تراجع الثقة بقدرة النظام السياسي على توفير مستقبل اقتصادي مستقر، خاصة لدى الفئات المتعلمة التي تجد نفسها أمام فرص عمل محدودة وآفاق اجتماعية تتقلص تدريجياً. ولم يعد الحديث عن الهجرة مقتصراً على النخب أو المعارضين السياسيين، بل تحول إلى طموح متزايد لدى قطاعات واسعة من الشباب الباحثين عن فرص أفضل في أوروبا وأميركا الشمالية.
وتكشف استطلاعات الرأي بصورة متكررة عن ارتفاع معدلات الرغبة في الهجرة بين الفئات الشابة، وهو ما يعكس ليس فقط أزمة اقتصادية، بل أيضاً أزمة ثقة وانتماء. فكثير من الشباب يشعرون بأنهم يعيشون داخل نظام سياسي لا يمنحهم القدرة الكافية على التأثير الحقيقي في مستقبل البلاد.
في المقابل، يواصل الخطاب الرسمي الترويج لمشروع “قرن تركيا” باعتباره رؤية استراتيجية لبناء قوة إقليمية كبرى خلال العقود المقبلة، مع التركيز على الصناعات الدفاعية والاستقلال الاقتصادي وتعزيز الدور الجيوسياسي لأنقرة.
غير أن هذا الخطاب، رغم طابعه التعبوي والقومي، يواجه صعوبة متزايدة في إقناع جيل يقيس نجاح الدولة من خلال جودة الحياة والحريات وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي، أكثر من ارتباطه بالشعارات الكبرى والطموحات الجيوسياسية.
وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ فأردوغان الذي نجح لسنوات في تقديم نفسه باعتباره زعيماً قريباً من المزاج الشعبي، يواجه اليوم جيلاً أقل ارتباطاً بالاستقطابات الأيديولوجية التقليدية، وأكثر انفتاحاً على العالم الرقمي والثقافات العابرة للحدود.
كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في هذا التحول، بعدما فقدت الدولة قدرتها الكاملة على احتكار المجال الإعلامي أو التحكم بتدفق المعلومات والخطابات البديلة، ما أتاح فضاءات جديدة للتعبير السياسي والثقافي خارج الأطر التقليدية التي بنت عليها السلطة نفوذها خلال العقدين الماضيين.
وفي هذا السياق، لا تبدو الاحتجاجات الطلابية أو النقاشات المتصاعدة حول الحريات الفردية مجرد ظواهر معزولة، بل مؤشرات على تغيرات اجتماعية أعمق داخل المجتمع التركي. فتركيا تشهد اليوم صراعاً هادئاً بين نموذجين مختلفين للهوية والمستقبل: نموذج محافظ يسعى إلى ترسيخ “تركيا الجديدة” كمشروع ثقافي وسياسي طويل الأمد، وآخر أكثر فردانية وانفتاحاً، تقوده شرائح شبابية تبحث عن علاقة مختلفة بين الدولة والمجتمع.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تركيا تتجه نحو انفجار سياسي أو قطيعة كاملة بين الأجيال، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن العامل الجيلي بات أحد أهم محددات الصراع السياسي والاجتماعي في البلاد.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات وتآكل صورة “الاستقرار” التي شكلت أساس شرعية الحكم لسنوات طويلة، تبدو السلطة التركية أمام تحدٍ معقد: كيف تحافظ على تماسك مشروعها السياسي في مواجهة جيل لم يعد يتعامل مع الماضي بوصفه مرجعاً كافياً لتحديد المستقبل؟
وفي المحصلة، قد لا تكون أزمة تركيا الأساسية اليوم أزمة معارضة سياسية تقليدية، بقدر ما هي أزمة تحول اجتماعي عميق داخل جيل جديد يعيد تعريف علاقته بالدولة والهوية والسلطة، وهو ما يجعل مستقبل العلاقة بين الشباب والنظام الحاكم أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في شكل تركيا خلال السنوات المقبلة.