لكل السوريين

بين العطش والغرق.. كيف تتحكم السدود التركية بمصير الفرات في سوريا؟

لم تعد أزمة المياه في سوريا مرتبطة فقط بتراجع الأمطار أو موجات الجفاف المتلاحقة، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالسياسات المائية التركية التي فرضت نفسها على مجرى نهر الفرات، أحد أهم شرايين الحياة للسوريين.

وخلال الأيام الماضية، عاد ملف المياه إلى الواجهة بعد الارتفاع المفاجئ والكبير في منسوب نهر الفرات، الأمر الذي تسبب بحالة استنفار واسعة في المناطق السورية الواقعة على ضفاف النهر، وخاصة في محافظات الرقة ودير الزور وريف حلب الشرقي، وسط مخاوف من موجة فيضانات غير مسبوقة.

المفارقة أن السوريين الذين عانوا لسنوات من الجفاف وانخفاض مناسيب المياه، وجدوا أنفسهم فجأة أمام خطر معاكس يتمثل بارتفاع المياه نتيجة فتح تركيا بوابات سدودها بشكل مفاجئ ودون تنسيق كافٍ مع الجانب السوري.

مشروع السدود التركية.. تحكم كامل بمجرى الفرات

على مدار العقود الماضية، أقامت تركيا سلسلة ضخمة من السدود ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول، الذي يضم عشرات السدود ومحطات توليد الطاقة على نهري الفرات ودجلة، ما منح أنقرة قدرة كبيرة على التحكم بتدفق المياه نحو سوريا والعراق.

وترى دمشق أن هذه المشاريع ألحقت أضراراً مباشرة بالأمن المائي السوري، خاصة مع تراجع كميات المياه الواردة خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات أثرت على الزراعة والكهرباء ومياه الشرب.

ومع موجات الجفاف القاسية التي ضربت المنطقة، انخفض منسوب الفرات بشكل غير مسبوق، ووصلت السدود السورية إلى مستويات حرجة، ما انعكس على إنتاج الكهرباء وريّ الأراضي الزراعية، ودفع آلاف المزارعين إلى تقليص نشاطهم الزراعي أو ترك أراضيهم.

من أزمة الجفاف إلى خطر الفيضانات

لكن الموسم المطري الغزير هذا العام غيّر المشهد بالكامل، بعدما امتلأت السدود التركية بكميات كبيرة من المياه، لتبدأ أنقرة بعمليات تصريف واسعة عبر فتح بوابات المفيض، وخاصة في سد أتاتورك، أحد أكبر السدود التركية على نهر الفرات.

هذا التصريف المفاجئ أدى إلى ارتفاع كبير في مناسيب النهر داخل الأراضي السورية، ما تسبب بفيضانات في عدة مناطق شرقي البلاد، وغمر طرقات وجسور وأراضٍ زراعية، وسط تحذيرات للسكان من الاقتراب من مجرى النهر.

وزارة الطاقة السورية أكدت أنها تتابع تطورات الوضع المائي على مدار الساعة، مشيرة إلى أن كميات المياه الواردة من الجانب التركي تجاوزت المعدلات المعتادة بشكل كبير.

كما أعلنت الجهات المعنية تنفيذ إجراءات احترازية في محافظات حلب والرقة ودير الزور، بعد تسجيل أضرار ميدانية نتيجة ارتفاع المياه.

وفي مشهد نادر، اضطرت السلطات السورية إلى فتح بوابات سد الفرات لتصريف الكميات الزائدة، في خطوة قالت إنها لم تحدث منذ عقود.

المياه كورقة ضغط سياسية

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تكشف مجدداً حجم التحديات التي تواجهها سوريا في ملف المياه، في ظل استمرار تركيا بالتحكم بمصدر رئيسي من مصادر الحياة في المنطقة.

ويؤكد مختصون أن غياب اتفاقات ملزمة لتنظيم تقاسم مياه الفرات يجعل سوريا في مواجهة دائمة مع أزمات متقلبة، تبدأ من شح المياه والجفاف ولا تنتهي عند خطر الفيضانات المفاجئة.

وبين مواسم العطش وموجات الغرق، يبقى نهر الفرات شاهداً على واحدة من أكثر الأزمات حساسية في المنطقة، حيث تتحول المياه تدريجياً إلى أداة نفوذ تتجاوز بعدها البيئي لتصل إلى الاقتصاد والزراعة والاستقرار المعيشي لملايين السوريين.

- Advertisement -

- Advertisement -