في الوقت الذي يجلس فيه وفدان عسكريان من لبنان وإسرائيل إلى طاولة محادثات مباشرة في واشنطن، يتصاعد المشهد الميداني جنوب لبنان بوتيرة غير مسبوقة، وسط غارات إسرائيلية وتحركات عسكرية توحي بأن الميدان يسبق السياسة، وأن اتفاق وقف إطلاق النار المعلن قبل أسابيع بات مهدداً بالانهيار.
وتستضيف وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون”، الجمعة، جولة جديدة من المحادثات الأمنية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، في خطوة نادرة بين بلدين لا يزالان رسمياً في حالة حرب منذ عقود. غير أن هذه المحادثات تأتي بالتزامن مع تصعيد عسكري إسرائيلي واسع طال مناطق عدة في الجنوب اللبناني، ورافقته إنذارات بالإخلاء ونزوح للسكان، ما يطرح تساؤلات حول جدية المسار التفاوضي وإمكانية احتواء التصعيد.
بيروت تطالب بوقف الهجمات
ويضم الوفد اللبناني ستة ضباط برئاسة مدير العمليات في الجيش اللبناني العميد جورج رزق الله، فيما يشارك عن الجانب الإسرائيلي رئيس القسم الاستراتيجي في مديرية التخطيط بالجيش عميحاي ليفين.
وبحسب مصادر عسكرية لبنانية، فإن الوفد اللبناني سيطالب بوقف الهجمات الإسرائيلية المتواصلة، كما سيعرض خطة الجيش المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز انتشار المؤسسة العسكرية في الجنوب.
لكن الميدان كان يحمل مؤشرات مغايرة تماماً لمسار التفاوض، إذ أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات بإخلاء سبع بلدات جنوبية، بينها بلدات تقع على عمق يقارب أربعين كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى موجة نزوح جديدة للسكان.
كما أفادت وسائل إعلام لبنانية بوقوع غارات إسرائيلية متفرقة استهدفت مناطق عدة في الجنوب، وذلك غداة غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، تعد الثانية منذ إعلان وقف إطلاق النار في 17 أبريل الماضي.
توغل إسرائيلي جديد خارج “الخط الأصفر”
ميدانياً، سجل الجيش الإسرائيلي توسعاً لافتاً في عملياته البرية، بعد توغله في بلدة دبين الاستراتيجية بقضاء مرجعيون، في خطوة وصفت بأنها أوسع اندفاعة إسرائيلية خارج ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” الذي كانت تل أبيب قد حددته سابقاً كنطاق لتحركاتها العسكرية.
وجاء التقدم الإسرائيلي بعد قصف مدفعي وغارات جوية مكثفة استهدفت البلدة ومحيطها، بالتزامن مع انسحاب الجيش اللبناني من بعض النقاط القريبة نتيجة التصعيد.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز العمليات التكتيكية المحدودة، ليصل إلى محاولة السيطرة على مناطق استراتيجية مطلة على مجرى نهر الليطاني، وعزل مناطق الجنوب المحتلة عن العمق اللبناني الممتد نحو البقاع وجزين.
ويرى مراقبون أن هذا التوغل يندرج ضمن مسعى إسرائيلي لإحكام السيطرة على المرتفعات والتلال المشرفة على النبطية والخردلي، ومنع أي عمليات إطلاق صواريخ أو تحركات عسكرية من تلك المناطق.
السيطرة على المرتفعات… وقطع خطوط الإمداد
وبحسب تقديرات أمنية، تسعى إسرائيل للوصول إلى ضفاف الليطاني في منطقة بلاط والخردلي، وهي مناطق تشكل عقدة جغرافية تربط الجنوب بالبقاع الغربي وجزين.
كما تتجه العمليات العسكرية نحو فرض طوق ناري على المناطق المرتفعة، وخاصة تلة علي الطاهر وتلال المحمودية والعيشية، وهي مواقع استراتيجية تشرف على أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني.
وتؤكد مصادر محلية أن طريق النبطية – مرجعيون بات شبه مقطوع بفعل النيران الإسرائيلية، في وقت رُصدت فيه عشرات الآليات العسكرية الإسرائيلية في محيط يحمر الشقيف، بينها دبابات وآليات لوجستية.
ويرى محللون أن إسرائيل تحاول إعادة رسم واقع أمني جديد في الجنوب، يقوم على السيطرة بالنار على المناطق المرتفعة وعزل بيئة “حزب الله” عن خطوط الإمداد الداخلية، بما يشبه إلى حد كبير ترتيبات ما قبل انسحابها من جنوب لبنان عام 2000.
“حزب الله” يرفض المفاوضات المباشرة
سياسياً، أثارت المحادثات المباشرة في واشنطن انتقادات داخلية لبنانية، بعدما دعت كتلة “حزب الله” البرلمانية الحكومة اللبنانية إلى الانسحاب من هذه المفاوضات، معتبرة أنها تهدف إلى فرض “تنسيق أمني يخدم العدوان الإسرائيلي”.
ويأتي ذلك في ظل ضغوط أميركية وإسرائيلية متزايدة تدعو إلى نزع سلاح “حزب الله”، وهي المهمة التي تقول الحكومة اللبنانية إنها أوكلت إلى الجيش اللبناني ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي موازاة التصعيد، تتقاطع التطورات اللبنانية مع مفاوضات أميركية – إيرانية أوسع، تسعى طهران من خلالها إلى إدراج الملف اللبناني ضمن أي تفاهم إقليمي محتمل ينهي المواجهات في المنطقة.
كارثة إنسانية تتفاقم
على الجانب الإنساني، تتزايد أعداد الضحايا والنازحين مع استمرار العمليات العسكرية. ووفق السلطات اللبنانية، قُتل أكثر من 3300 شخص منذ اندلاع الحرب في مارس الماضي.
كما حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” من التداعيات المتفاقمة على الأطفال، مؤكدة مقتل 15 طفلاً وإصابة 62 آخرين خلال أسبوع واحد فقط، فيما بلغ عدد الأطفال القتلى منذ إعلان وقف إطلاق النار 55 طفلاً.
ومع استمرار الغارات والتوغلات البرية، تبدو الجبهة اللبنانية أمام مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتقدم الحسابات العسكرية على فرص التهدئة، فيما تتحول المفاوضات المباشرة في واشنطن إلى اختبار صعب لإمكانية منع انزلاق الجنوب اللبناني نحو مواجهة أوسع.