لكل السوريين

الأضحية في سوريا.. طقس ديني يتحول إلى عبء اقتصادي

في كل عام، مع حلول عيد الأضحى، تستعيد المدن والقرى السورية مشهداً اعتاد الناس عليه منذ عقود؛ أسواق المواشي المزدحمة، أصوات الباعة، والعائلات التي تستعد لأداء شعيرة الأضحية باعتبارها جزءاً أصيلاً من الموروث الديني والاجتماعي. لكن هذه الطقوس التي ورثها الأبناء عن الأجداد، باتت اليوم بالنسبة لكثير من السوريين حلماً صعب المنال في ظل الانهيار الاقتصادي وارتفاع أسعار المواشي بشكل غير مسبوق.

فبعد سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة، تغيّرت ملامح العيد في سوريا. لم تعد الأضحية متاحة لغالبية الأسر كما كانت في السابق، بل أصبحت عبئاً اقتصادياً يرهق العائلات التي تعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

أسعار تتجاوز قدرة المواطنين

تشهد أسواق المواشي في سوريا ارتفاعاً حاداً في أسعار الأغنام والأبقار، نتيجة تراجع الثروة الحيوانية وارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والطبابة البيطرية، إضافة إلى تدهور سعر صرف الليرة السورية.

ويقول تجار مواشٍ إن سعر الخروف بات يعادل عدة أشهر من رواتب الموظفين، ما دفع كثيراً من الأسر إلى التخلي عن فكرة الأضحية أو اللجوء إلى المشاركة الجماعية فيها لتخفيف الأعباء المالية.

أبو أحمد، موظف حكومي من دمشق، يقول إن الأضحية كانت “عادة لا يمكن الاستغناء عنها” داخل العائلة، لكنها اليوم أصبحت خارج الحسابات تماماً. ويضيف:

“في السابق كنا نعتبر الأضحية جزءاً من فرحة العيد، أما الآن فالأولوية لتأمين الطعام والاحتياجات الأساسية”.

من طقس اجتماعي إلى ضغط نفسي

لا يقتصر تأثير الأزمة على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي أيضاً. فكثير من السوريين يشعرون بالعجز أمام تقاليد اعتادوا الحفاظ عليها عبر الأجيال.

ويرى مختصون اجتماعيون أن ارتباط الأضحية بالهوية الدينية والعادات الشعبية يجعل التخلي عنها أمراً صعباً بالنسبة للعائلات، خاصة في الأحياء الشعبية والريف، حيث تُعتبر رمزاً للتكافل والكرم.

لكن في المقابل، بدأت مظاهر جديدة تظهر في المجتمع السوري، مثل تقليص حجم الأضاحي، أو الاعتماد على الجمعيات الخيرية، أو الاكتفاء بتوزيع مبالغ مالية على المحتاجين بدلاً من الذبح.

تراجع الثروة الحيوانية

ويؤكد مربو المواشي أن الأزمة لا تتعلق فقط بضعف القدرة الشرائية، بل أيضاً بتراجع أعداد القطعان في سوريا خلال السنوات الماضية، بسبب ارتفاع تكاليف التربية والجفاف وتهريب المواشي إلى خارج البلاد.

هذا الواقع أدى إلى نقص المعروض في الأسواق، ما ساهم في ارتفاع الأسعار بشكل أكبر، لتتحول الأضحية من شعيرة شعبية واسعة الانتشار إلى عبء اقتصادي لا تستطيع تحمله إلا شريحة محدودة من السوريين.

  • العيد بين العادة والقدرة

ورغم الظروف الاقتصادية القاسية، لا يزال كثير من السوريين يحاولون الحفاظ على روح العيد ولو بوسائل أبسط، مؤكدين أن جوهر المناسبة لا يرتبط فقط بالأضحية، بل بقيم التضامن وصلة الرحم ومساعدة المحتاجين.

ومع استمرار الأزمة المعيشية، تبدو الأضحية في سوريا اليوم مثالاً واضحاً على التحولات التي فرضها الواقع الاقتصادي على العادات الاجتماعية والدينية، حيث باتت طقوس الأمس تواجه تحديات البقاء في حياة السوريين.

- Advertisement -

- Advertisement -