تتجه أنظار العالم، اليوم الثلاثاء، إلى التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، بعد الضربات الأميركية التي استهدفت مواقع جنوب إيران، بالتزامن مع انطلاق جولة مفاوضات حساسة في العاصمة القطرية الدوحة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، في محاولة لاحتواء التصعيد العسكري والتوصل إلى اتفاق إطار ينهي الحرب المستمرة منذ أشهر.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، الاثنين، تنفيذ ضربات وصفتها بـ«الدفاعية» استهدفت قوارب قالت إنها كانت تحاول زرع ألغام بحرية، إضافة إلى مواقع لإطلاق الصواريخ في جنوب إيران، في خطوة تعكس هشاشة وقف إطلاق النار القائم منذ أبريل الماضي، وتثير مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، مع انتقال مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية إلى الدوحة، حيث وصل وفد إيراني رفيع يضم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب محافظ البنك المركزي الإيراني، لبحث ملفات شائكة تتعلق بمضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
وفي واشنطن، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن المفاوضات مع طهران قد تفضي إلى «اتفاق عظيم» أو «لا اتفاق على الإطلاق»، مشدداً على أن الولايات المتحدة مستعدة لكل الخيارات. من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن واشنطن ستمنح المسار الدبلوماسي فرصة حقيقية، لكنها «مستعدة للتعامل مع إيران بطريقة أخرى» إذا فشلت المحادثات.
اتفاق إطار مرتقب
وتشير المعطيات إلى وجود تقدم في المفاوضات الجارية بشأن مذكرة تفاهم مؤقتة من 14 بنداً، تهدف إلى وقف الحرب ومنح الطرفين مهلة 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الطرفين توصلا إلى تفاهم بشأن عدد من النقاط الأساسية، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني قرب التوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الحرب في المنطقة.
وبحسب مصادر مطلعة، تركز المفاوضات الحالية على عدة ملفات رئيسية، أبرزها مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفع العقوبات الأميركية، والإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات من عائدات النفط الإيراني المجمدة، إضافة إلى ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وكشف الدبلوماسي الإيراني حسين نوش آبادي أن الاتفاق الإطاري المحتمل يتضمن إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ورفع الحصار البحري الأميركي، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وحرية تصدير النفط الإيراني.
وأضاف أن مسودة الاتفاق التي قدمتها طهران لا تتضمن أي التزامات مباشرة بشأن برنامجها النووي، في حين نقلت مصادر أميركية أن إيران وافقت «من حيث المبدأ» على فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري والتخلص من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
ورغم استمرار التباينات بشأن بعض البنود، فإن المؤشرات الحالية توحي بوجود رغبة مشتركة لدى الطرفين للوصول إلى تفاهم يخفف من حدة التصعيد الإقليمي.
إسرائيل خارج المشهد
في المقابل، تبدو إسرائيل في موقع المراقب القلق لمسار المفاوضات، وسط مؤشرات على تراجع قدرتها على التأثير في القرارات الأميركية المتعلقة بإيران.
ونقلت مصادر إسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ مقربين منه بأن تل أبيب «لا تملك قدرة حقيقية على التأثير في قرارات الرئيس الأميركي بشأن إيران»، معبراً عن مخاوفه من مخرجات مذكرة التفاهم الجاري التفاوض حولها.
وشهد الأسبوع الماضي ثلاث مكالمات هاتفية بين ترمب ونتنياهو، تزامنت مع تقارير تحدثت عن استعدادات إسرائيلية للعودة إلى تنفيذ غارات مشتركة مع الولايات المتحدة ضد منشآت الطاقة الإيرانية.
وقال نتنياهو، في بيان عقب إحدى المكالمات، إن أي اتفاق نهائي يجب أن يتضمن تفكيك مواقع التخصيب النووي الإيرانية وإخراج المواد المخصبة من الأراضي الإيرانية، مؤكداً في الوقت نفسه أن ترمب جدد دعمه لـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».
تصعيد على الجبهة اللبنانية
بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، تصاعد التوتر على الجبهة اللبنانية، بعدما لوّحت إسرائيل بتوسيع عملياتها العسكرية حتى نهر الزهراني واستئناف قصف بيروت، رداً على هجمات بالطائرات المسيّرة نفذها «حزب الله».
ورغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أبريل الماضي ضمن هدنة أوسع بين واشنطن وطهران، فإن المواجهات بين إسرائيل والحزب لا تزال مستمرة، مع استمرار الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان وتبادل الهجمات عبر الحدود.
ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس داخلياً بالنسبة إلى نتنياهو، الذي يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة وانتقادات حادة من خصومه بسبب عدم تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني وتقويض قدراته النووية والصاروخية.
ومع استمرار الضربات العسكرية والتحركات السياسية المتسارعة، تبقى المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتراوح بين احتمال التوصل إلى تسوية سياسية واسعة، أو الانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بالكامل.