السوري ـ دمشق
تشهد العاصمة السورية دمشق ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار القبور، في أزمة جديدة تثقل كاهل السكان الذين يواجهون أساساً ظروفاً معيشية واقتصادية صعبة. فمع كل حالة وفاة، تجد العائلات نفسها أمام تكاليف دفن مرتفعة باتت تشكل عبئاً إضافياً لا يقل قسوة عن ألم الفقدان نفسه.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار القبور بشكل ملحوظ نتيجة عدة عوامل، أبرزها محدودية المساحات داخل المقابر القديمة، والضغط السكاني المتزايد، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الخدمات والمواد المرتبطة بعمليات الدفن. وفي بعض المقابر المعروفة داخل دمشق، وصلت أسعار القبور إلى عشرات ملايين الليرات السورية، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر.
فارس أحمد، أحد سكان دمشق، تحدث عن الصدمة التي واجهها أثناء دفن والدته، قائلاً إن العائلة كانت تتوقع دفع تكاليف الحفر فقط، لكنها فوجئت بمبالغ كبيرة تشمل ثمن الأرض وتجهيزات القبر وموقعه داخل المقبرة. وأضاف: “المبلغ يعادل أشهر طويلة من دخل عائلة كاملة، ومع ذلك لم يكن أمامنا خيار آخر”.
وفي المقابل، تلجأ عائلات كثيرة إلى دفن أقاربها في مقابر تقع في ريف دمشق أو أطرافها، حيث الأسعار أقل نسبياً، رغم ما يفرضه ذلك من أعباء إضافية تتعلق بالمسافة وصعوبة الزيارة. أم سلوى، وهي سيدة ستينية، قالت إنها اضطرت لدفن زوجها خارج المدينة بسبب ارتفاع الأسعار داخل دمشق، لكنها تعاني اليوم من مشقة الوصول إلى المقبرة بشكل متكرر.
ويؤكد سكان أن أسعار القبور تختلف حتى داخل المقبرة الواحدة، إذ ترتفع قيمة القبور القريبة من المداخل والطرقات الرئيسية، بينما تكون القبور في المناطق البعيدة أقل تكلفة. كما يشير البعض إلى وجود سوق غير رسمية لبيع القبور عبر وسطاء، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل أكبر من التسعيرات الرسمية.
ولا تتوقف الأعباء عند شراء القبر فقط، إذ تتحمل العائلات أيضاً تكاليف إضافية تشمل رسوم المعاملات الرسمية، والحفر، والشواهد، ونقش الأسماء، إلى جانب مصاريف الجنازات والنقل.
مراد نعيم، الذي فقد شقيقته مؤخراً، وصف التجربة بأنها “مرهقة نفسياً ومادياً”، مشيراً إلى أن تكاليف الدفن فاقت توقعاته بكثير، وأضاف: “في لحظة الحزن الأخيرة، يتحول كل شيء إلى حسابات وأرقام يصعب تحملها”.
وأثار ارتفاع أسعار القبور نقاشات اجتماعية واسعة حول العدالة في الدفن، خاصة مع شعور كثيرين بأن الحصول على قبر قريب أو في موقع مناسب أصبح امتيازاً مرتبطاً بالقدرة المالية، بينما تضطر العائلات محدودة الدخل للقبول بخيارات أبعد وأقل تميزاً.
ويرى مراقبون أن غياب الحلول المتعلقة بتوسعة المقابر أو ضبط الأسعار ساهم في تفاقم الأزمة، في وقت تجعل فيه الأوضاع الاقتصادية الحالية أي تدخل فعّال أمراً معقداً.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى أزمة القبور في دمشق أكثر من مجرد مشكلة مالية، إذ تمس مشاعر الناس وحقهم في وداع أحبائهم بكرامة، بعيداً عن الضغوط المادية التي باتت ترافق حتى اللحظات الأخيرة من الحياة.