لكل السوريين

نساء شمال وشرق سوريا… من الصمت الطويل إلى صدارة المشهد السياسي والاجتماعي

لم يعتد السوريون، طوال عقود من حكمٍ مركزي شديد الانغلاق، على رؤية المرأة تتقدم الصفوف في السياسة، كانت المرأة هناك دائماً في الظل، حضورها محدود في المناسبات الشكلية أو صور الاحتفال الرسمي، لم يُسمح لها بأن تناقش علناً قضايا الأمن أو الاقتصاد أو حتى الشأن المحلي إلا في مساحات ضيقة لا تغيّر شيئاً من الواقع.

لكن هناك في شمال وشرق سوريا، وخلال سنواتٍ قليلة من التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة، تغيّر المشهد رأساً على عقب، أصبح طبيعياً أن ترى النساء يتصدرن جلسات سياسية حاسمة، يناقشن خططاً اقتصادية واجتماعية، أو يدِرن جلسات كاملة بحضور نسوي خالص، بينما يكتفي الرجال بالمتابعة أو الجلوس في الصفوف الخلفية أحياناً.

هذه التجربة النسوية حملت طابعاً خاصاً واستثنائياً، لأنها لم تأتِ في زمن الهدوء والاستقرار، بل ولدت من رحم الفوضى والحرب والتهديدات الأمنية المستمرة، وعلى مدار أكثر من عقد تمكنت النساء من إعادة تعريف أدوارهن في المجتمع صرن سياسيات وإداريات، وأيضاً قائدات عسكريات قاتلن الإرهاب، وساهمن في بناء الإدارة الذاتية، وأسسن للأحزاب والمجالس، حتى باتت المرأة صاحبة قرار فعلي في السياسة والمجتمع، لا مجرد رمزٍ زخرفي كما اعتادت أن تكون في أجزاء أخرى من سوريا.

نساء بارزات

في قاعة بطابق مرتفع في أحد مباني مدينة الرقة، اجتمعت عشرات النساء، القاعة تتزين بصور لمناسبات اجتماعية وأعلام الإدارة الذاتية، فيما تجلس السياسية الكردية السورية سما بكداش في المنتصف، تحيط بها امرأتان، حركات يديها المتقنة ونبرة صوتها الواثقة تكشف عن تجربة طويلة في الحوارات والاجتماعات السياسية.

سما بكداش، عضو مكتب العلاقات في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، تتحدث عن التحولات العميقة التي عاشتها المنطقة، وعن الرحلة التي نقلت المرأة من الهامش إلى قلب المشهد. تقول بكلمات يختلط فيها الفخر بالتحدي: “ما نعيشه اليوم لم يكن وليد المصادفة، بل هو ثمرة سنوات طويلة من النضال والتضحيات، خضنا خلالها مواجهة عنيفة مع التهميش والعنف المجتمعي والسياسي”.

وترى السياسية الكردية السورية أن ما يحدث اليوم هو تتويج لجهد جماعي ممتدّ، إذ انخرطت النساء في شتى مناحي الحياة، من إدارة المجالس المحلية إلى وحدات حماية المرأة (YPJ)، لتصنع المرأة نموذجاً فريداً يكاد لا يجد له مثيلاً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وربما في أجزاء واسعة من آسيا.

وتضيف بثقة، “هذه اللحظة هي تتويج لنضال سنوات طويلة، ولن نقبل العودة إلى الوراء بعد أن أصبحت المرأة شريكة كاملة في صناعة القرار السياسي والاجتماعي”.

القانون يترجم مسيرة النضال

أواخر العام 2023، خطت النساء خطوة مفصلية حين صادق المجلس العام للإدارة الذاتية الديمقراطية على العقد الاجتماعي الجديد، وهو بمثابة دستور محلي يضمن حقوق جميع المكونات ويحصّن مكتسبات المرأة.

يتألف العقد الاجتماعي من ديباجة وأربعة أبواب رئيسية و134 مادة، كثير منها خُصص لحماية النساء من العنف والتمييز وضمان مشاركتهن الفعلية في مختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية وحتى العسكرية.

وجاءت أبرز المواد المتعلقة بالمرأة كالآتي، المادة الثانية تؤكد أن الإدارة الذاتية تقوم على الديمقراطية والمجتمع البيئي وترتكز على حرية المرأة كأحد أعمدتها الأساسية، أما المادة 19 تنص على تطوير الاقتصاد المجتمعي للمرأة ومناهضة الاستغلال بكل أشكاله، ومنع تحويل المرأة إلى سلعة.

كما تضمن المواد 24 إلى 26 حرية المرأة وحقوقها والمساواة بينها وبين الرجل، مع تمكينها من ممارسة إرادتها الحرة ضمن الأسرة الديمقراطية القائمة على الحياة الندية المشتركة.

وتشدد المادتان 50 و51 على تجريم العنف والتمييز ضد المرأة، وأكدتا حقها في المشاركة المتساوية في كل مجالات الحياة واتخاذ القرارات المتعلقة بها، وهذه المواد لم تكن مجرد نصوص، بل مثلت درعًا قانونيًا يحمي إنجازات عقدٍ من النضال النسوي.

دهشة القادمة من بانياس

لم تعد التجربة النسوية في شمال وشرق سوريا شأناً محلياً فقط، بل أصبحت وجهةً لكل من يبحث عن واقع نسوي مختلف، إذ بدأت النساء السوريات يتناقلن أخبار مثيلاتهن في شمال وشرق سوريا.

ليلى محمد، الناشطة النسوية من مدينة بانياس في ريف طرطوس، وصلت إلى الرقة قبل أسابيع للمشاركة في ورشة تدريبية حول دور المرأة في الإدارة المحلية.

ولحظة دخولها أول قاعة اجتماع نسوي، تصف شعورها قائلة: “كنت أسمع عن تجربة نساء شمال وشرق سوريا، لكن رؤيتها على أرض الواقع كانت مفاجأة حقيقية. وجدت نساء يقدن المجالس المحلية، يشرفن على مشاريع اقتصادية، ويجلسن في مواقع اتخاذ القرار بلا خوف ولا تردد”

ليلى، التي أمضت سنوات طويلة في النشاط الحقوقي بالساحل السوري، عرفت واقعاً يضع النساء في آخر صفوف المشهد العام، أما هناك في شمال وشرق سوريا، وجدت حضوراً حياً يغيّر حياة المجتمع.

وتقول بابتسامة تعكس إعجابها العميق: “ما وجدته هنا ليس مشاركة شكلية للمرأة في صورة أو شعار، بل حضور حقيقي يغيّر حياة المجتمع من جذوره”.

صرخة الإصرار النسوي

في إحدى جلسات النقاش بمدينة الرقة، وقفت مريم إبراهيم، إحدى القيادات البارزة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، لتوجّه رسالة واضحة وحاسمة: “نرفض باسم جميع نساء شمال وشرق سوريا أي تراجع عن النجاح الذي وصلنا إليه. لقد أثبتنا أن المرأة ليست تابعاً، بل شريكة كاملة في القرار وفي الدفاع عن المجتمع”.

مريم إبراهيم تذكّر الحاضرات بأن العقد الاجتماعي الجديد لم يكن ليصدر لولا سنوات من الكفاح النسوي، بدأت بتشكيل وحدات حماية المرأة (YPJ)، واستمرت عبر المجالس المحلية والهيئات التنفيذية، حتى أصبحت النساء اليوم قلب الإدارة الذاتية السياسي والاقتصادي والأمني. وتشير إلى أن المواد (2، 19، 24-26، 50 و51) أصبحت سلاحاً قانونياً يحمي الإنجازات من أي محاولة انتكاس.

ما بين سما بكداش التي تلخص مسيرة النضال، وليلى محمد التي أدهشها الواقع الجديد، ومريم إبراهيم التي ترفع لواء الإصرار؛ ونساء أخريات قد لا تكفيهن عشرات آلاف المواد الصحفية لنقل الإنجازات والقصص تبدو شمال وشرق سوريا مختبراً اجتماعياً فريداً.

فبينما ما تزال نساء كثير من المناطق السورية أسيرات الأعراف والقيود القانونية، نجحت هذه التجربة في إعادة رسم موقع المرأة، لتصبح قائدة سياسية وعسكرية واقتصادية، وشريكة في صناعة القرار على كل المستويات.

وما يحدث اليوم في شمال وشرق سوريا يتجاوز كونه تجربة محلية، لأنه يحمل ملامح مشروع يمكن أن يلهم الشرق الأوسط، إذ يجمع بين تمكين المرأة والتعددية المجتمعية والشراكة الديمقراطية.

وفي قاعة للمحاضرات، تواصل سما بكداش محاضرتها بعينين تلمعان بالفخر، فيما تنظر ليلى محمد بإعجاب، وتجلس مريم بين النساء وهي تكرر بحزم: “لن نسمح بالعودة إلى الوراء… هذه التجربة النسوية هي مستقبلنا، وحمايتها أصبحت الآن مكفولة بالقانون”.

انتقال التجربة

مع تصاعد حضور المرأة في شمال وشرق سوريا، بدأت الأصوات تتعالى حول ضرورة نقل هذه التجربة إلى باقي المناطق السورية التي ما تزال أسيرة القيود الاجتماعية والقوانين التقليدية، فالمرأة في دمشق أو حلب، على سبيل المثال، ما تزال بعيدة عن دوائر القرار السياسي المباشر، وتقتصر مشاركتها غالباً على العمل الجمعياتي أو الأنشطة الثقافية المحدودة.
وتبرز هنا تجربة الإدارة الذاتية كنموذج يمكن أن يشكل أساساً لإعادة صياغة دور المرأة على مستوى وطني، إذا وجدت البيئة القانونية والسياسية الحاضنة لذلك.

رغم هذه الجهود، تواجه عملية نقل التجربة تحديات كبيرة. فالكثير من المناطق السورية الخاضعة للحكومة المركزية أو لسيطرة فصائل مسلحة لا توفر بيئة قانونية تسمح بتمكين المرأة على غرار ما يحدث في شمال وشرق سوريا. إضافة إلى ذلك، تلعب البنية الاجتماعية التقليدية دوراً مثبطاً.

إذ ما يزال كثير من الرجال يرفضون فكرة مشاركة المرأة في إدارة الشأن المحلي والسياسي والاجتماعي، معتبرين ذلك خروجاً عن الأعراف، لذلك فإن أي محاولة لتوسيع التجربة تحتاج إلى عمل تدريجي طويل الأمد يبدأ من توعية المجتمع قبل الانتقال إلى تمكين النساء سياسياً.

رغم ذلك فإن نجاح تجربة شمال وشرق سوريا في الوصول إلى باقي المناطق قد يكون بداية لتغيير عميق في المشهد السوري بأكمله. فدمج النساء في دوائر القرار المحلي والإداري والسياسي يمكن أن يعزز فرص الاستقرار وإعادة البناء الاجتماعي، ويقلل من النزاعات القائمة على الإقصاء والتمييز.

وفي حال اعتماد نموذج شبيه بالعقد الاجتماعي للإدارة الذاتية على نطاق وطني، فقد تصبح المرأة السورية عنصراً أساسياً في رسم ملامح سوريا المستقبل، حيث المشاركة المتساوية ليست خياراً ثانوياً، بل حجر الأساس لأي عملية ديمقراطية حقيقية.

- Advertisement -

- Advertisement -