لكل السوريين

التحكيم في الكرة السورية… بين أزمات التعيين وتراجع الثقة

لا يزال ملف التحكيم في كرة القدم السورية واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في الوسط الرياضي، في ظل تزايد الانتقادات وتكرار الأخطاء التي أثّرت بشكل مباشر على نتائج المباريات ومسار المنافسة. وبين مطالب الإصلاح وواقع الإمكانيات المحدودة، يقف التحكيم السوري أمام تحديات حقيقية تتطلب حلولاً جذرية لا مجرد معالجات مؤقتة.

إقصاء الخبرات… فجوة تتسع

يُجمع كثير من المتابعين على أن تغييب الكفاءات والخبرات التحكيمية السابقة شكّل ضربة لواقع التحكيم المحلي. أسماء كبيرة تمتلك تاريخاً وخبرة واسعة على المستويات المحلية والقارية والدولية، كان يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تطوير العمل التحكيمي، إلا أن حضورها بات محدوداً أو مغيباً. هذا الغياب انعكس سلباً على آلية اتخاذ القرار داخل لجنة الحكام، وأضعف من جودة التقييم والتوجيه.

التعيينات… الحلقة الأضعف

تبدو مشكلة التعيينات من أبرز الإشكاليات التي تواجه التحكيم في الدوري السوري. ففي العديد من المباريات الحساسة، يتم إسناد المهمة إلى حكام يفتقرون للخبرة الكافية، في وقت تتطلب فيه تلك المواجهات طواقم تحكيمية دولية أو على الأقل ذات خبرة كبيرة.

أحد أبرز الأمثلة كان في مباراة حساسة بين فريق ينافس على اللقب وآخر يصارع الهبوط، حيث تم تعيين حكم من درجة أولى دون الاستعانة بطاقم دولي متكامل، ما زاد من احتمالية وقوع الأخطاء وأشعل الجدل بعد نهاية اللقاء. وفي حالات أخرى، اعتذر حكام دوليون عن إدارة مباريات مهمة، ليتم استبدالهم بحكام أقل خبرة، ما يعكس خللاً واضحاً في إدارة ملف التعيينات وعدم وجود بدائل جاهزة بنفس المستوى.

أخطاء متكررة… وثقة تتراجع

تكرار الأخطاء التحكيمية لم يعد أمراً عابراً، بل تحول إلى عامل ضغط كبير على الأندية، ودفع بعضها للاعتراض الرسمي، بل وحتى التهديد بتعليق المشاركة. هذا الواقع أضعف ثقة الشارع الرياضي بالتحكيم، وألقى بظلاله على سمعة المسابقة ككل، خاصة في ظل غياب حلول ملموسة.

تقنية الفار… مطلب ملح

في ظل هذه الظروف، باتت المطالب بإدخال تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ورغم إدراك الجميع لصعوبة تطبيق هذه التقنية من الناحية المادية واللوجستية، إلا أن استمرار الوضع الحالي دون خطة واضحة يُعد أمراً غير مقبول.

إذا كان اتحاد الكرة جاداً في هذا الملف، فإن المطلوب هو إعلان جدول زمني واضح للتنفيذ، يحدد مراحل العمل ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم، بدلاً من الاكتفاء بالوعود.

بين الدعم والمحاسبة

ورغم كل الانتقادات، لا بد من التأكيد أن الحكام أنفسهم يعملون في ظروف صعبة، ويعانون من نقص في الدعم والتأهيل والتجهيزات. الأخطاء التحكيمية تبقى جزءاً من اللعبة ولا يمكن إلغاؤها بالكامل، حتى في أكبر البطولات العالمية التي تعتمد أحدث التقنيات.

لكن في المقابل، فإن تقليل هذه الأخطاء يتطلب عملاً مؤسسياً حقيقياً، يبدأ من إعادة الاعتبار للخبرات، مروراً بتحسين آليات التعيين والتقييم، وصولاً إلى توفير بيئة عمل مناسبة للحكام.

وتجدر الإشارة إلى أن التحكيم في سوريا يقف اليوم عند مفترق طرق، إما الاستمرار في إدارة الأزمات بنفس الأدوات القديمة، أو الشروع بإصلاحات حقيقية تعيد الثقة وتضمن عدالة المنافسة. وبين هذا وذاك، تبقى الكرة في ملعب القائمين على اللعبة، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية إنقاذ أحد أهم أعمدة كرة القدم.

- Advertisement -

- Advertisement -