لكل السوريين

سوريا تفتح ملف المحاسبة.. أول محاكمة علنية للأسد ورموز حكمه

جلسة تمهيدية في دمشق تطلق مسار العدالة الانتقالية… ومحاكمات غيابية للفارّين وحضورية لمسؤولين موقوفين

السوري ـ دمشق

في خطوة غير مسبوقة منذ اندلاع النزاع قبل أكثر من عقد، شهدت العاصمة دمشق، الأحد، افتتاح أولى جلسات المحاكمة العلنية ضمن مسار العدالة الانتقالية، مستهدفة الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، إلى جانب عدد من أبرز رموز النظام السابق، في قضايا تتعلق بانتهاكات واسعة بحق المدنيين.

وانعقدت الجلسة الأولى أمام محكمة الجنايات برئاسة القاضي فخر الدين العريان، حيث أعلن انطلاق “أولى محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا”، موضحًا أن المسار يشمل متهمين موقوفين وآخرين فارّين سيُحاكمون غيابيًا.

محاكمة غيابية للأسد… وحضور نجيب في قفص الاتهام

تتصدر المحاكمة أسماء بارزة من رأس السلطة السابقة، على رأسها بشار الأسد وشقيقه ماهر، اللذان سيخضعان لمحاكمة غيابية بعد فرارهما خارج البلاد أواخر عام 2024، عقب دخول فصائل المعارضة إلى دمشق وإنهاء حكم امتد لعقود.

في المقابل، مثل أمام المحكمة المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، الذي أوقف في يناير 2025، حيث حضر مكبّل اليدين وسط إجراءات أمنية مشددة، دون أن يتم استجوابه في هذه الجلسة التي خُصصت للإجراءات التمهيدية.

ويُعد نجيب من أبرز الشخصيات المرتبطة ببداية الاحتجاجات الشعبية عام 2011، إذ كان يشغل رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، واتُّهم بالإشراف على حملات اعتقال وتعذيب واسعة في المحافظة.

جلسة إجرائية وتمهيد لمسار طويل

أوضح القاضي أن الجلسة الأولى تندرج ضمن التحضيرات القانونية والإدارية، على أن تُعقد جلسة ثانية في العاشر من مايو المقبل، يُتوقع أن تشهد بدء الاستجوابات ومناقشة التهم بشكل أوسع.

وبحسب مصدر قضائي، فإن قائمة المتهمين تشمل أيضًا شخصيات أخرى من الدائرة الضيقة للنظام السابق، من بينهم وسيم الأسد، والمفتي السابق بدر الدين حسون، إضافة إلى مسؤولين عسكريين وأمنيين أُوقفوا خلال الأشهر الماضية.

جرائم ثقيلة وملفات مفتوحة

تأتي هذه المحاكمات في سياق ملفات معقدة تتعلق بانتهاكات جسيمة، تشمل قضايا التعذيب والإخفاء القسري، إلى جانب ملف عشرات آلاف المفقودين والمعتقلين، فضلًا عن المقابر الجماعية التي يُعتقد أنها تضم ضحايا قضوا تحت التعذيب خلال سنوات النزاع.

ويُعد هذا الملف أحد أكثر القضايا حساسية في الذاكرة السورية، في ظل تقديرات تشير إلى سقوط أكثر من نصف مليون قتيل منذ عام 2011.

الإطار القانوني للمحاكمات الغيابية

وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، يتيح القضاء ملاحقة المتهمين الفارّين عبر محاكمات غيابية، بعد استكمال إجراءات التبليغ القانونية. وفي حال عدم المثول، يمكن للمحكمة إصدار أحكام نهائية، بما في ذلك النظر في دعاوى التعويض المقدمة من الضحايا.

حضور الضحايا… بعد رمزي يتجاوز القانون

شهدت الجلسة حضور عدد من ذوي الضحايا، إلى جانب محامين ومراقبين دوليين ووسائل إعلام، في مشهد يعكس الطابع العلني غير المسبوق لهذه المحاكمات.

ولا يقتصر هذا الحضور على البعد القانوني، بل يحمل دلالات رمزية عميقة، إذ يمثل بالنسبة لكثيرين بداية اعتراف رسمي بمعاناة امتدت لسنوات، ومحاولة لاستعادة العدالة في مواجهة إرث ثقيل من الانتهاكات.

بداية مسار معقّد

يرى مراقبون أن هذه المحاكمة تمثل خطوة أولى في مسار طويل ومعقد، في ظل وجود عدد كبير من المتهمين خارج البلاد، وتداخل العوامل السياسية والأمنية مع مسار العدالة.

ومع ذلك، فإن انطلاق هذه الإجراءات يشير إلى تحوّل مهم في التعامل مع ملف الانتهاكات، ويفتح الباب أمام سلسلة من القضايا التي يُتوقع أن تُطرح تباعًا ضمن إطار العدالة الانتقالية.

بين رمزية اللحظة وثقل الملفات، تقف سوريا أمام اختبار حقيقي في مسار المحاسبة، حيث لا تقتصر القضية على محاكمة أفراد، بل تتعلق بإعادة بناء الثقة، وترسيخ مبدأ العدالة بعد سنوات من الصراع.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه المحاكمات في تحقيق العدالة المنشودة، أم ستبقى رهينة التعقيدات السياسية التي لطالما أعاقت هذا المسار؟

- Advertisement -

- Advertisement -