لم تعد زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى سوريا حدثًا طارئًا بقدر ما أصبحت مادة للتحليل بعد مرور الوقت. فبين التوقعات التي رافقتها عند حدوثها، والنتائج التي ظهرت لاحقًا، تتكشف صورة أكثر واقعية لأهداف الزيارة وحدودها.
الزيارة، التي جاءت في سياق تحركات أوكرانية أوسع خارج أوروبا، حملت في ظاهرها عناوين التعاون والانفتاح، لكنها في جوهرها ارتبطت بثلاثة مسارات رئيسية: السياسة، الأمن، والاقتصاد.
تحرك سياسي خارج المجال الأوروبي
سعت أوكرانيا من خلال هذه الزيارة إلى كسر حصر دورها ضمن الجغرافيا الأوروبية، خاصة في ظل استمرار الحرب مع روسيا.
الانفتاح على سوريا يعكس محاولة أوكرانية للدخول إلى ملفات الشرق الأوسط، ليس كطرف مباشر، بل كشريك محتمل في قضايا الأمن والطاقة والغذاء.
لكن هذا التحرك، وفق تقديرات سياسية، بقي محكومًا بسقف منخفض، نظرًا لتعقيدات المشهد السوري وتشابك النفوذ الدولي فيه.
اختبار حدود النفوذ الروسي
الزيارة حملت بعدًا غير معلن يتمثل في اختبار إمكانية التحرك داخل مساحة تُعد تقليديًا ضمن النفوذ الروسي.
فـسوريا تمثل إحدى أبرز نقاط الارتكاز لموسكو في المنطقة، ما جعل الخطوة الأوكرانية أقرب إلى جس نبض سياسي منها إلى محاولة اختراق حقيقي.
وبعد مرور الوقت، يتضح أن الزيارة لم تؤدِ إلى تغيير ملموس في هذا التوازن، بل أكدت صعوبة إعادة تشكيله في المدى القريب.
الأمن: طموح أكبر من النتائج
طرحت كييف خلال الزيارة خبراتها في مواجهة الطائرات المسيّرة والحرب الحديثة، مستندة إلى تجربتها العسكرية.
غير أن هذا الطرح لم يتحول إلى تعاون فعلي واسع، إذ بقي ضمن حدود النقاشات الأولية، في ظل بيئة أمنية معقدة وتعدد الأطراف الفاعلة داخل سوريا.
بمعنى آخر، بقي الملف الأمني أقرب إلى عرض قدرات منه إلى شراكة قائمة.
الاقتصاد والغذاء: المدخل الأكثر واقعية
على خلاف المسارين السياسي والعسكري، بدا الملف الاقتصادي أكثر قابلية للتقدم.
فـأوكرانيا تمتلك ورقة مهمة تتمثل في صادرات الحبوب، ما يمنحها إمكانية بناء نفوذ تدريجي عبر بوابة الأمن الغذائي.
ومع ذلك، لا تزال هذه الإمكانية في إطار التفاهمات، دون انتقال واضح إلى مشاريع تنفيذية على الأرض.
زيارة بلا نتائج حاسمة
بعد مرور الوقت، يمكن توصيف زيارة فولوديمير زيلينسكي إلى سوريا بأنها خطوة محسوبة ضمن استراتيجية أوسع، لكنها محدودة التأثير.
فهي: نجحت في فتح قناة تواصل سياسية
وأرسلت رسائل تتجاوز حدود العلاقة الثنائية
لكنها لم تُترجم إلى تحولات ملموسة في موازين القوى أو في شكل التحالفات
وفي ظل استمرار الصراع مع روسيا، يبدو أن قدرة كييف على تحويل مثل هذه الزيارات إلى إنجازات فعلية ستبقى مرهونة بعوامل أكبر من مجرد التحرك الدبلوماسي.
وتجدر الإشارة إلى أن الزيارة لم تكن بلا هدف، لكنها أيضًا لم تكن نقطة تحول.
بل يمكن قراءتها كجزء من محاولة أوكرانية لإثبات الحضور على مسرح دولي معقد، حيث الرمزية السياسية تتقدم أحيانًا على النتائج الفعلية.