لم تنتهِ قضية بشار الأسد بصدور حكم الإعدام بحقه غيابياً في دمشق، بل ربما بدأت مرحلة أكثر تعقيداً من الملف. فالحكم الصادر عن محكمة الجنايات في العاصمة، بحق الأسد وشقيقه ماهر، إلى جانب عاطف نجيب، ينقل ملف المحاسبة من مستوى المطالب السياسية والحقوقية إلى مسار قضائي سوري معلن، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً أصعب: كيف يمكن تنفيذ حكم قضائي بحق شخص موجود خارج الأراضي السورية؟
وتكمن المفارقة في أن المحكمة تستطيع إصدار الحكم، بينما يبقى تنفيذ العقوبة مرتبطاً بعوامل تتجاوز حدود القضاء السوري، وفي مقدمتها مكان وجود المحكوم عليه، والقوانين المحلية للدولة التي يقيم فيها، ومدى استعداد تلك الدولة للتعاون مع دمشق.
وكانت محكمة الجنايات في دمشق قد أصدرت، اليوم الثلاثاء، أحكاماً بالإعدام بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب، على خلفية اتهامات تتعلق بالقتل العمد والتعذيب، في واحدة من أبرز المحاكمات التي تطال رأس النظام السابق ومسؤولين مرتبطين به.
حكم غيابي.. لكن التنفيذ قصة أخرى
يشكل الحكم الغيابي خطوة قانونية مهمة من الناحية الرمزية والإجرائية، لكنه لا يعني أن المحكوم عليه أصبح تلقائياً في متناول السلطات السورية.
فوجود حكم قضائي محلي يمكن أن يكون أساساً لتحريك إجراءات ملاحقة خارج البلاد، إلا أن تحويل الحكم إلى توقيف فعلي يحتاج إلى مسارات قانونية إضافية، من بينها إصدار أو تعميم مذكرات التوقيف وفق الأطر المعتمدة، وطلب التعاون القضائي من الدول التي يمكن أن يوجد فيها المطلوب.
وهنا تظهر واحدة من أبرز الفجوات في القضية: الحكم القضائي لا يعادل تلقائياً مذكرة توقيف دولية، ولا يعني أن الإنتربول سيصدر إشعاراً أحمر بمجرد صدور الحكم.
وتتوقف أي خطوة من هذا النوع على استيفاء الإجراءات والضوابط القانونية المعمول بها لدى المنظمة والدول الأعضاء.
روسيا.. العقدة الأكثر صعوبة
تزداد المسألة تعقيداً بسبب وجود بشار الأسد في روسيا، وفق ما هو متداول منذ مغادرته سوريا.
وكانت السلطات السورية قد أعلنت في وقت سابق أنها تتحرك عبر القنوات الدولية لملاحقة عدد من مسؤولي النظام السابق، كما أشارت تصريحات رسمية إلى السعي للحصول على تعاون روسي بشأن تسليم الأسد. وفي/أيار الماضي، نقلت الجزيرة عن نائب وزير الداخلية السوري وجود إجراءات عبر الإنتربول، إلى جانب محاولة الحصول على تعاون روسي في هذا الملف.
لكن موسكو لم تعطِ حتى الآن مؤشراً علنياً واضحاً على استعدادها لتسليم الأسد. بل إن تصريحات روسية سابقة أظهرت موقفاً متحفظاً تجاه فكرة محاكمته، ما يجعل العامل السياسي الروسي أحد أكبر العوائق أمام تنفيذ أي حكم صادر في دمشق.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد قانونياً فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بطبيعة العلاقة بين دمشق وموسكو، وبالحدود التي يمكن أن يصل إليها التعاون بين الطرفين في ملفات العدالة والملاحقة القضائية.
هل يستطيع الإنتربول تغيير المعادلة؟
يمثل الإنتربول إحدى الأدوات التي يمكن أن تلجأ إليها الدول في ملاحقة المطلوبين الموجودين خارج أراضيها، لكن وجود اسم شخص في قواعد المنظمة أو صدور إشعار بشأنه لا يعني أن المنظمة نفسها تقوم بالقبض عليه أو تفرض على دولة معينة تسليمه.
فالقرار النهائي بشأن التوقيف والتسليم يبقى خاضعاً للقوانين والإجراءات الوطنية للدولة التي يوجد فيها المطلوب، فضلاً عن طبيعة الاتفاقيات الثنائية والدولية ذات الصلة.
ولهذا فإن حصول دمشق على تعاون دولي واسع سيكون أكثر أهمية من مجرد صدور الحكم نفسه. فكلما اتسعت دائرة الدول المستعدة للتعاون مع القضاء السوري، ازدادت فرص تحويل الأحكام الغيابية إلى إجراءات عملية.
من عاطف نجيب إلى رأس النظام
يحمل الحكم بحق عاطف نجيب خصوصية مختلفة عن الحكم بحق بشار وماهر الأسد، نظراً لاختلاف وضع المحكوم عليهم من حيث مكان وجودهم وإمكانية تنفيذ العقوبة.
ويكتسب ملف نجيب أهمية رمزية خاصة بالنسبة إلى درعا، حيث ارتبط اسمه بمرحلة مبكرة من أحداث عام 2011 وما رافقها من اعتقالات وانتهاكات بحق السكان، في قضية أصبحت لاحقاً جزءاً من المسار الذي قاد إلى اتساع الاحتجاجات في مختلف أنحاء سوريا.
وبينما يمكن أن تتعامل السلطات مع محكوم موجود داخل البلاد وفق إجراءات التنفيذ القضائي، فإن المحكوم الموجود في دولة أخرى يحتاج إلى خطوة إضافية: الوصول إليه أولاً.
وهذه هي النقطة التي تفصل بين قوة الحكم على الورق وقدرة الدولة على تنفيذه فعلياً.
ماذا يضيف الحكم إلى ملف العدالة؟
رغم صعوبة التنفيذ، لا يمكن اختزال أهمية الحكم في مسألة اعتقال بشار الأسد أو إعدامه.
فالمحاكمة تضع للمرة الأولى رأس النظام السابق أمام حكم قضائي صادر عن محكمة سورية بعد سقوط نظامه، وتمنح ضحايا الانتهاكات وذويهم إطاراً قضائياً سورياً للمطالبة بالمحاسبة.
كما يمكن أن تشكل الأحكام بداية لمسار أوسع، إذا تبعتها تحقيقات مستقلة وملفات قضائية تتعامل مع المسؤوليات الفردية والقيادية وفق الأدلة، بعيداً عن منطق العقوبة الجماعية أو المحاسبة السياسية.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار سيتوقف على قدرة القضاء السوري على إثبات استقلاله، وضمان حقوق الدفاع، وبناء ملفات تستند إلى الأدلة والشهادات والوثائق، بما يجعل الأحكام أكثر قابلية للاعتراف والتعاون خارج الحدود.
الحكم بداية المعركة لا نهايتها
يمثل الحكم الصادر في دمشق تطوراً كبيراً في ملف ملاحقة رموز النظام السابق، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة السورية الوصول إلى المحكوم عليهم الموجودين خارج أراضيها؟
الإجابة ستتحدد خلال المرحلة المقبلة عبر مجموعة من الاختبارات، أبرزها مدى تفعيل مذكرات التوقيف والتعاون الدولي، وطبيعة العلاقة مع روسيا، وقدرة دمشق على إقناع الدول الأخرى بالتعامل مع أحكام القضاء السوري.
وبذلك، فإن معركة ما بعد الحكم قد تكون أكثر تعقيداً من المحاكمة نفسها. فإصدار الحكم يحتاج إلى قاضٍ ومحكمة وملف، أما تنفيذه خارج الحدود فيحتاج إلى قانون ودبلوماسية وتعاون دولي وإرادة سياسية.
وفي حالة بشار الأسد، تبدو هذه العناصر الأربعة حتى الآن هي الحلقة الأكثر حساسية في طريق الانتقال من حكم غيابي في دمشق إلى محاسبة فعلية خارج سوريا.