أثار قرار الحكومة الكولومبية الاعتراف بما سمته «السيادة الإسرائيلية» على هضبة الجولان السورية المحتلة موجة واسعة من الرفض السوري والعربي، وسط تأكيدات رسمية بأن الخطوة لا تمتلك أثراً قانونياً على وضع الجولان، ولا تستطيع تغيير حقيقة كونه أرضاً سورية واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وجاء الإعلان الكولومبي في 10 آب الجاري، في تحول لافت في موقف بوغوتا من قضية الجولان، لتصبح كولومبيا ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تعلن اعترافها بالسيادة الإسرائيلية على الهضبة المحتلة. وكانت واشنطن قد اتخذت موقفاً مماثلاً عام 2019.
دمشق ترفض الاعتراف وتتمسك بسورية الجولان
سارعت دمشق إلى رفض الموقف الكولومبي، معتبرة أن الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان يتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وأكدت وزارة الخارجية السورية أن أي موقف من هذا النوع لا يغير الوضع القانوني للجولان، ولا يمنح الاحتلال شرعية على أرض سورية، مشددة على تمسك سوريا بحقها في استعادة كامل أراضيها المحتلة.
وترى دمشق أن الاستناد إلى الاعتبارات الأمنية لتبرير الاعتراف لا يمكن أن يشكل أساساً قانونياً لتغيير حدود الدول أو إضفاء الشرعية على أراضٍ جرى احتلالها بالقوة.
السعودية ومصر وقطر: القرار لا يغير واقع الاحتلال
ولم يقتصر الرفض على سوريا، إذ أعلنت السعودية ومصر وقطر مواقف رافضة للقرار الكولومبي، مؤكدة أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن الإجراءات الرامية إلى تكريس الاحتلال أو الاعتراف بضم الأراضي المحتلة لا تنتج آثاراً قانونية.
وأكدت مصر، على وجه الخصوص، أن القرار الكولومبي يخالف قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، مشددة على ضرورة انسحاب إسرائيل من الجولان السوري المحتل، وأن أي إجراءات تهدف إلى إضفاء الشرعية على ضمه لا تغير وضعه القانوني.
كما دان مجلس التعاون لدول الخليج العربية الخطوة، مؤكداً عروبة الجولان وسوريته ورفض أي محاولات لتغيير وضعه القانوني أو فرض أمر واقع جديد عليه.
لماذا أثار القرار كل هذا الجدل؟
تعود حساسية الجولان إلى كونه أرضاً سورية احتلتها إسرائيل خلال حرب عام 1967، قبل أن تعلن إسرائيل ضمها عام 1981، في خطوة لم تحظَ باعتراف دولي واسع.
ويأتي القرار الكولومبي في سياق مختلف عن الموقف الدولي السائد، الذي لا يزال يتعامل مع الجولان بوصفه أرضاً سورية محتلة.
وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر القرار 497 عام 1981، واعتبر قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان المحتل «لاغياً وباطلاً ومن دون أثر قانوني دولي». ولذلك، فإن الاعترافات الأحادية لا تكفي، من منظور القانون الدولي، لتغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة.
كولومبيا تغيّر موقفها.. وإسرائيل ترحب
في المقابل، قوبل القرار الكولومبي بترحيب إسرائيلي، إذ اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الخطوة «تاريخية»، في مؤشر إلى الأهمية السياسية التي توليها إسرائيل لأي اعتراف جديد بسيادتها على الجولان.
وتأتي الخطوة بعد تغير سياسي في كولومبيا مع وصول حكومة جديدة ذات توجه يميني، في تحول واضح عن مواقف سابقة اتسمت بانتقادات أكثر حدة للسياسات الإسرائيلية.
وتقول الحكومة الكولومبية إن موقفها يرتبط أيضاً باعتبارات أمنية وحق إسرائيل في حماية نفسها من التهديدات الخارجية، إلا أن هذه الحجة اصطدمت برفض عربي واسع، باعتبار أن الاعتبارات الأمنية لا تمنح دولة حق اكتساب السيادة على أراضٍ احتلتها بالقوة.
هل يمكن أن تتكرر تجربة الاعتراف الأميركي؟
يفتح القرار الكولومبي باب التساؤلات حول احتمال سعي إسرائيل إلى توسيع دائرة الدول التي تعترف بسيادتها على الجولان، خصوصاً أن الاعتراف الأميركي عام 2019 بقي لسنوات حالة منفردة.
لكن انتقال الموقف إلى دول أخرى لا يعني بالضرورة حدوث تحول في الموقف الدولي العام.
فحتى الاعتراف الأميركي لم يؤدِّ إلى تغيير موقف الأمم المتحدة من الجولان، كما لم يغير بصورة جماعية المواقف الدولية التي ترى المنطقة أرضاً سورية محتلة. ويظل الفرق قائماً بين موقف دولة منفردة وبين تغيير الوضع القانوني المعترف به على المستوى الدولي.
الجولان في مواجهة سياسة الأمر الواقع
ويعيد القرار الكولومبي قضية الجولان إلى واجهة المشهد الإقليمي، ليس فقط باعتبارها نزاعاً على الأرض، وإنما باعتبارها اختباراً لمبدأ دولي يتعلق بعدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.
وتخشى دمشق والدول العربية الرافضة للقرار من أن يؤدي توالي الاعترافات الأحادية إلى تشجيع سياسة فرض الأمر الواقع، وتحويل الاحتلال الفعلي مع مرور الوقت إلى أمر يحاول البعض تقديمه كحقيقة قانونية.
لكن المواقف العربية التي صدرت حتى الآن تؤكد تمسكها بوضع الجولان كأرض سورية محتلة، وترفض أي محاولة لتغيير هويته أو وضعه القانوني من خلال قرارات أحادية.
معركة دبلوماسية تتجاوز كولومبيا
لا يبدو أن تداعيات القرار ستتوقف عند حدود العلاقات السورية ـ الكولومبية، إذ تضع الخطوة بوغوتا أمام اختبار جديد لعلاقاتها مع دمشق والدول العربية، في وقت تحاول فيه سوريا إعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية بعد سنوات الحرب.
كما تعيد القضية طرح سؤال أوسع حول قدرة الدبلوماسية السورية والعربية على مواجهة محاولات تغيير واقع الأراضي المحتلة عبر اعترافات سياسية منفردة.
وبينما ترى إسرائيل في القرار الكولومبي خطوة إضافية نحو تثبيت روايتها بشأن الجولان، تتمسك دمشق والدول العربية الرافضة بأن الاعتراف السياسي لا يستطيع وحده تغيير حقيقة قانونية كرّستها قرارات الأمم المتحدة لعقود.
ويبقى الجولان، بعد أكثر من نصف قرن على احتلاله، واحداً من أبرز الملفات المفتوحة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فيما يضيف القرار الكولومبي طبقة جديدة إلى معركة طويلة بين سياسة الأمر الواقع ومنطق القانون الدولي.