درعا/ رجاء مختار
لم يكن صباح اليوم الدراسي في درعا يشبه ما يفترض أن يكون عليه في أي مدينة طبيعية. فبدل أصوات الجرس وصفوف الطلاب المنتظمة، تطغى على المشهد مبانٍ مهدمة، وغرف صفية بلا نوافذ، وساحات مدرسية تحولت إلى ركام. بعد سنوات طويلة من القصف والتدمير الذي طال البنية التحتية للمحافظة، تجد درعا نفسها اليوم أمام واحدة من أخطر الأزمات الصامتة: نقص حاد في المدارس يهدد مستقبل جيل كامل من الأطفال.
خلال سنوات الثورة والحرب، تعرضت غالبية المدارس في درعا للتدمير الكلي أو الجزئي نتيجة القصف المباشر الذي نفذه نظام بشار الأسد الساقط، أو نتيجة تحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية ومقار أمنية. ومع انتهاء العمليات العسكرية في كثير من المناطق، لم يعد التعليم إلى سابق عهده، بل ورث واقعاً هشاً لا يتناسب مع أعداد الطلاب ولا مع الحد الأدنى من شروط التعليم الآمن.
في أحياء درعا البلد وطريق السد والمخيم، تبدو آثار الدمار واضحة على المدارس التي كانت يوماً تعجّ بالطلاب. بعض هذه المدارس لم يعد قائماً أساساً، بينما بقي بعضها الآخر بهياكل إسمنتية متشققة وأسقف مهددة بالانهيار. هذا الواقع أجبر آلاف الطلاب على الالتحاق بعدد محدود من المدارس التي ما زالت صالحة جزئياً، ما أدى إلى اكتظاظ غير مسبوق داخل الصفوف.
يقول معلم لغة عربية في إحدى مدارس ريف درعا الشرقي إن الصف الواحد بات يضم أحياناً أكثر من ستين طالباً، في غرفة لا تتسع لأكثر من ثلاثين. يضيف: “نضطر لتقسيم الدوام إلى فترتين أو ثلاث، ومع ذلك لا نستطيع استيعاب الجميع. كثير من الطلاب يجلسون على الأرض، وبعضهم يترك المدرسة نهائياً لأنه لا يحتمل هذا الوضع”.
قصص الأطفال تكشف عمق المأساة. ريم، طفلة في الحادية عشرة من عمرها من ريف درعا الغربي، تضطر للسير يومياً مسافة طويلة للوصول إلى مدرستها، بعد أن دُمرت المدرسة القريبة من منزلها قبل سنوات ولم تُرمم حتى اليوم. تقول ريم إن التعب والخوف يرافقانها في الطريق، لكنها لا تريد أن تترك التعليم مثل بعض صديقاتها اللواتي اضطررن للبقاء في المنزل بسبب بعد المدرسة أو عدم وجود مقاعد كافية.
في قرى أخرى، لجأ الأهالي إلى حلول بديلة، فتم تحويل منازل مهجورة أو مستودعات قديمة إلى غرف صفية مؤقتة. هذه “المدارس” تفتقر لأبسط المقومات؛ لا تدفئة شتاءً، ولا تهوية صيفاً، ولا كتب كافية، ولا حتى سبورات صالحة للكتابة. ورغم ذلك، يصر الأهالي على إرسال أبنائهم إليها خوفاً من ضياع سنوات أخرى من عمرهم بلا تعليم.
الأزمة لا تتوقف عند نقص الأبنية فقط، بل تمتد إلى نقص الكوادر التعليمية. فالكثير من المعلمين غادروا المحافظة خلال سنوات الحرب، ومن بقي منهم يعمل بأجور زهيدة وفي ظروف صعبة. ومع ازدحام الصفوف وتعدد الفترات الدراسية، بات المعلمون يواجهون إرهاقاً شديداً ينعكس سلباً على جودة التعليم.
أبو يزن، وهو أب لخمسة أطفال من درعا البلد، يقول إن أبناءه الثلاثة الكبار يداومون في مدرسة واحدة بنظام الدوام الثلاثي، بينما بقي الصغيران في المنزل لعدم توفر مكان لهما. يضيف بحسرة: “أطفالي يريدون أن يتعلموا، لكن لا يوجد مدرسة تستقبلهم. أخشى أن يكبروا وهم أميون، كما حدث مع كثير من أبناء جيل الحرب”.
هذا الواقع أدى إلى ارتفاع واضح في نسب التسرب المدرسي، خاصة بين الأطفال الذين اضطروا للعمل لمساعدة عائلاتهم، أو الفتيات اللواتي لم تعد أسرهن قادرة على إرسالهن لمسافات بعيدة. ويرى مختصون تربويون أن استمرار هذا الوضع سيترك آثاراً خطيرة على المجتمع، من حيث ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الوعي والتعليم على المدى الطويل.
ورغم بعض المبادرات الفردية التي أطلقها معلمون وأهالٍ ومنظمات محلية محدودة الإمكانات، إلا أن حجم الدمار يفوق بكثير قدرة هذه الجهود على المعالجة. فدرعا تحتاج إلى إعادة بناء واسعة للبنية التعليمية، تشمل إنشاء مدارس جديدة، وترميم المدمَّر منها، وتأمين التجهيزات الأساسية، إضافة إلى دعم الكوادر التعليمية مادياً ومعنوياً.
مع كل عام دراسي جديد، تتجدد معاناة الأهالي، ويعود السؤال نفسه: أين سيذهب أبناؤنا؟ وبين مبانٍ مهدمة وصفوف مكتظة وطفولة مثقلة بالخوف والحرمان، يبقى حق التعليم في درعا معلقاً بانتظار حلول حقيقية تعيد للمدرسة دورها الطبيعي، وتحمي جيلاً كاملاً من الضياع.
في محافظة كانت توصف يوماً بـ”مهد الثورة”، يقف التعليم اليوم شاهداً آخر على حجم الدمار الذي خلفه نظام بشار الأسد الساقط، ومرآة تعكس ثمناً باهظاً دفعه الأطفال، وما زالوا يدفعونه، من حقهم الأساسي في مستقبل أفضل.