لكل السوريين

تحسّن هشّ في الأمن الغذائي لسوريا وسط فقر يطال 90 بالمئة من السكان

دمشق

أظهرت نتائج المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري في سوريا لعام 2025 صورة مركّبة لواقع المعيشة في البلاد، تجمع بين تحسّن نسبي مقارنة بالعام السابق، واستمرار هشاشة عميقة تطبع حياة غالبية الأسر السورية، ولا سيما في المناطق الريفية والمخيمات وبين الفئات الأكثر ضعفاً.

وبيّن المسح، الذي أجرته هيئة التخطيط والإحصاء بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، أن التحسّن المسجّل ما يزال محدود الأثر، ولم يصل بعد إلى مستوى إحداث تغيير فعلي في واقع الأمن الغذائي على الصعيد الوطني.

ووفق ما نقلته وكالة “سانا” عن رئيس هيئة التخطيط والإحصاء أنس سليم، بلغت نسبة الأسر الآمنة غذائياً على مستوى سوريا، باستثناء المخيمات، 18.4 بالمئة فقط، وعلى الرغم من أن هذه النسبة تمثل ارتفاعاً مقارنة بالعام الماضي، إلا أنها تعني عملياً أن أكثر من أربعة أخماس الأسر السورية ما تزال تعاني من انعدام أو هشاشة في الأمن الغذائي.

وتبدو الصورة أكثر قتامة داخل المخيمات، حيث لم تتجاوز نسبة الأسر الآمنة غذائياً 4.2 بالمئة، في مؤشر واضح على عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها النازحون في مختلف المناطق.

كما كشفت بيانات المسح عن تفاوتات اجتماعية وجغرافية لافتة، إذ سجلت المناطق الحضرية نسبة أسر آمنة غذائياً بلغت 19 بالمئة، مقابل 16.4 بالمئة في المناطق الريفية، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين المدينة والريف من حيث فرص الدخل وإمكانية الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية.

وأظهرت النتائج كذلك فجوة واضحة على أساس النوع الاجتماعي، حيث لم تتجاوز نسبة الأمن الغذائي لدى الأسر التي تعيلها نساء 12 بالمئة، مقارنة بـ18.5 بالمئة لدى الأسر التي يعيلها رجال، ما يعكس هشاشة مضاعفة تواجهها النساء في ظل محدودية فرص العمل وضعف شبكات الحماية الاجتماعية.

وبيّنت البيانات أن الأسر التي تضم أفراداً من ذوي الاحتياجات الخاصة تُعد من بين الفئات الأكثر تضرراً، إذ بلغت نسبة الأمن الغذائي لديها 10.5 بالمئة فقط، مقابل 18.6 بالمئة لدى الأسر التي لا تضم أفراداً من هذه الفئة.

كما سجلت الأسر النازحة داخلياً نسبة أمن غذائي بلغت 11.8 بالمئة، مقارنة بـ18.9 بالمئة لدى الأسر المقيمة بشكل دائم، ما يؤكد أن النزوح ما يزال عاملاً رئيسياً في تفاقم انعدام الأمن الغذائي.

وعلى المستوى الجغرافي، تصدرت محافظة طرطوس قائمة المحافظات الأكثر أمناً غذائياً بنسبة 29.9 بالمئة، تلتها ريف دمشق بنسبة 27.6 بالمئة، ثم محافظة دمشق بنسبة 21.9 بالمئة.

في المقابل، جاءت الرقة والحسكة والسويداء في ذيل القائمة، بنسب متدنية للغاية تراوحت بين 4.2 بالمئة و5.4 بالمئة، في دلالة على تأثير مجموعة من العوامل المتراكبة، من بينها الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي، إلى الاضطرابات الأمنية وضعف شبكات الدعم الغذائي والاقتصادي.

وأشار المسح أيضاً إلى تفاوت واضح مرتبط بمصادر الدخل، إذ بدت الأسر التي تعتمد على التجارة في وضع أفضل نسبياً، بينما تصدرت الأسر التي تعتمد على العمالة اليدوية غير الماهرة قائمة الفئات الأكثر هشاشة، بنسبة لم تتجاوز 10.5 بالمئة، وهو ما يعكس هشاشة سوق العمل السوري وارتباط الأمن الغذائي ارتباطاً مباشراً بطبيعة العمل واستقراره.

وعلى الرغم من تسجيل تحسّن مقارنة بعام 2024، حين بلغت نسبة الأسر الآمنة غذائياً 11.1 بالمئة، فإن هذه الزيادة لا تبدو كافية لتبديد المخاوف بشأن استدامة هذا التحسّن، ولا سيما في ظل استمرار العوامل البنيوية للأزمة، من تضخم مرتفع، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الإنتاج المحلي.

وشددت نتائج المسح على أن الفئات الأضعف، مثل النساء والنازحين وسكان المخيمات وذوي الاحتياجات الخاصة، ما تزال تتحمل العبء الأكبر للأزمة، الأمر الذي يستدعي، بحسب التقرير، انتقال السياسات العامة من منطق الاستجابة الطارئة إلى اعتماد برامج تنموية طويلة الأمد، تركز على إعادة بناء شبكات الأمان الاجتماعي ودعم سبل العيش المستدامة.

وتتوافق هذه النتائج مع تحذيرات سابقة لبرنامج الأغذية العالمي، الذي أكد أن نحو نصف سكان سوريا يواجهون انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاع المستمر والانهيار الاقتصادي وتصاعد العنف، محذراً من أن هذه التحديات مرشحة للاستمرار في المدى المنظور.

كما يعزز تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الصورة القاتمة، إذ أشار إلى أن ربع السوريين عاطلون عن العمل، وأن ثلاثة أرباع السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية، فيما يعيش نحو 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر.

ومع اقتراب سوريا من دخول عام 2026، يتضح أن ملف الأمن الغذائي ما يزال من أعقد التحديات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، في ظل سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف، ومحاولات مستمرة لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وسط معادلة ضاغطة تجمع بين الفقر والبطالة وضعف الإنتاج المحلي واستمرار الاعتماد الواسع على المساعدات الإنسانية.

 

 

- Advertisement -

- Advertisement -