لكل السوريين

بردُ الشتاءِ في درعا… الدفءُ يتحولُ إلى عبئاً يومياً على السكان

 

رجاء مختار/درعا

مع حلول ليالي الشتاء القاسية في درعا جنوبي سوريا، فرضت موجةُ البردِ الأخيرةُ إيقاعاً ثقيلاً على حياة السكان، فبدت الأحياء أقلَّ ازدحاماً بعد غروب الشمس، بينما ارتفع دخانُ المدافئ البدائية من المنازل والمخيمات، في مشهدٍ يعكس بحثَ السكان عن أي وسيلةٍ تخفف من قسوة الصقيع.

في القرى والمناطق الريفية، لا يشكل الحصولُ على الدفء رفاهيةً بقدر ما هو معركةٌ يوميةٌ مع الغلاء، إذ لم تعد معظمُ العائلات قادرةً على تأمين المازوت أو الحطب، ما دفعها للاعتماد على بدائلَ أقلَّ كلفةً، مثل قشور المكسرات، التي كانت حتى وقتٍ قريبٍ الخيارَ الأخيرَ للفقراء، قبل أن تتحول هي الأخرى إلى عبئاً ثقيلاً.

خلال فترةٍ قصيرةٍ، شهدت أسعارُ قشور المكسرات، وخاصةً قشرَ الفستق واللوز والبندق، ارتفاعاً ملحوظاً، إذ انتقل سعرُ الطن من نحو 270 دولاراً إلى ما بين 310 و330 دولاراً، في ظل طلبٍ متزايدٍ فرضته موجةُ الصقيع، وغيابِ أي تسعيرةٍ رسميةٍ تنظم السوق أو تحد من تلاعب التجار.

أهالي درعا يؤكدون أن هذه الزيادات باتت تتكرر مع كل انخفاضٍ حادٍّ في درجات الحرارة، إلا أن القفزةَ الأخيرةَ كانت غيرَ مسبوقةٍ مقارنةً بالسنوات الماضية. ويشير عددٌ من السكان إلى أن سعرَ الطن في بداية العام الماضي لم يكن يتجاوز 220 دولاراً، لكنه بدأ بالارتفاع تدريجياً مع اقتراب الشتاء، وصولاً إلى مستوياته الحالية التي تجاوزت قدرةَ معظم الأسر.

هذا الارتفاع جاء بالتزامن مع انخفاضٍ كبيرٍ في درجات الحرارة وتساقطِ الصقيع في مناطقَ واسعةٍ من المحافظة، ما ضاعف الحاجةَ إلى وسائل التدفئة، في وقتٍ بقيت فيه الخياراتُ الأخرى بعيدةً عن المتناول، حيث تجاوز سعرُ برميل المازوت 160 دولاراً، وبلغ سعرُ طن الحطب ما بين 260 و310 دولارات، وهو ما يفوق إمكاناتِ عائلاتٍ تعيش على دخلٍ يوميٍّ محدودٍ.

يقول أحمد، وهو أبٌ لخمسة أطفالٍ من ريف درعا الغربي، إن الزيادةَ حصلت بشكلٍ مفاجئٍ ومن دون أي مبررٍ واضحٍ، مضيفاً أن العائلات باتت مجبرةً على الشراء مهما كان السعر، لأن البرد لا ينتظر. ويؤكد أن الكثيرَ من الأسر لم تعد قادرةً على تخزين كمياتٍ تكفي الشتاء، بل تشتري حاجتها ليومٍ أو يومين فقط، في ظل استنزافِ الدخل المحدود.

ويشير إلى أن التدفئة لم تعد تحضيراً موسمياً كما في السابق، بل هماً يومياً يتجدد مع كل مساء، حيث تضطر العائلةُ للمفاضلة بين شراء الوقود أو تأمين احتياجاتٍ أساسيةٍ أخرى.

تسويقُ قشور المكسرات في درعا يتم عبر تجارٍ محليين يعتمدون على التخزين المسبق، وترتفع الأسعار مع زيادة الطلب، خاصةً خلال موجاتِ البرد القاسية. وبسبب غيابِ التسعير الرسمي، تختلف الأسعار من منطقةٍ إلى أخرى ومن تاجرٍ إلى آخر، ما يفتح المجالَ أمام الاحتكار والاستغلال.

في المقابل، يبرر بعضُ التجار هذه الزيادات بعواملَ تتعلق بالاستيراد وتكاليف النقل، موضحين أن جزءاً كبيراً من هذه المواد يأتي من خارج البلاد، وأن ارتفاعَ أسعارها في بلد المنشأ، إضافةً إلى أجور الشحن والرسوم، ينعكس مباشرةً على السعر النهائي. كما يشيرون إلى أن ارتفاعَ أسعار المازوت المستخدم في النقل وأجور العمال يزيد من كلفة البيع.

إلى جانب ذلك، شهدت بقيةُ مواد التدفئة ارتفاعاً ملحوظاً، حيث تراوح سعرُ طن الفحم بين 175 و235 دولاراً، بينما بقي المازوت خياراً مكلفاً لمعظم الأسر، ما جعل خياراتِ التدفئة محدودةً أمام السكان.

مسؤولون محليون أوضحوا أن قشورَ المكسرات لا تخضع لتسعيرةٍ رسميةٍ محددةٍ، لكنهم أشاروا إلى تسجيل مخالفاتٍ تتعلق بعدم إعلان الأسعار أو بيع موادٍ رديئةِ النوعية، مؤكدين السعيَ إلى تشديد الرقابة بقدر الإمكان، رغم صعوبةِ ضبط سوقٍ مفتوحٍ يعتمد على العرض والطلب.

ومع استمرار موجاتِ البرد، يجد سكانُ درعا أنفسهم أمام معادلةٍ قاسيةٍ تجمع بين الحاجةِ الملحةِ للتدفئة وغلاءِ الأسعار وضعفِ الدخل. وفي ظل غيابِ حلولٍ مدعومةٍ أو بدائلَ حقيقيةٍ، يتحول الشتاءُ إلى موسمٍ إضافيٍّ من المعاناة، حيث يبقى الأهالي عالقين بين تقلباتِ الطقس وجشعِ السوق، بانتظار إجراءاتٍ تخفف عنهم عبءَ البحث اليومي عن الدفء.

- Advertisement -

- Advertisement -