لكل السوريين

تغيير أسماء مدارس حماة بين تصحيح المسار وطمس الذاكرة الجماعية

 

حماة

تجدد الجدل الشعبي في مدينة حماة السورية حول قرار تغيير أسماء عدد من المدارس الحكومية، وهو موضوع أثار نقاشاً حاداً على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الثقافية والتربوية، بين من يعتبره تصحيحاً للمسار الوطني وفصلاً بين التعليم وهيمنة سياسية سابقة، وبين من يراه طمساً للذاكرة التاريخية وتراث المجتمع في محافظة عريقة لطالما ارتبطت مدارسها بأسماء شخصيات شكلت جزءاً من وجدان أبنائها.

وبحسب ما أعلنته مديرية التربية في حماة عبر وسائل إعلام محلية، فإن عملية تغيير الأسماء طالت مدارس قيل إنها تحمل تسميات مرتبطة برموز سياسية أو حزبية من مرحلة سابقة، في إطار توجه أوسع يهدف إلى إعادة النظر بأسماء المؤسسات العامة، ولا سيما التعليمية، بما يتناسب مع ما تصفه الجهات الرسمية بقيم المجتمع والمرحلة الجديدة.

وتؤكد الجهات المعنية أن الهدف ليس محو التاريخ، بل إزالة ما تعتبره رموزاً خلافية من الفضاء التعليمي، وإعادة الاعتبار لأسماء ترى أنها أكثر انسجاماً مع الهوية الوطنية الجامعة.

غير أن هذا الطرح لم يلقَ قبولاً واسعاً لدى جميع أبناء المدينة. فغياب إعلان واضح لقائمة الأسماء التي تم تغييرها، والمعايير التي استندت إليها اللجان المختصة، فتح الباب أمام الشكوك والتأويلات. كثيرون رأوا أن المسألة تجاوزت حدود تصحيح المسار لتلامس حساسية الذاكرة الجماعية، خصوصاً عندما شمل التغيير أسماء شخصيات ثقافية أو علمية لا يُجمع على ارتباطها المباشر بالسلطة السياسية، بل ارتبطت في أذهان الناس بالعلم والأدب والعمل العام.

أبو محمود، وهو مدرس متقاعد من حي الحاضر، استعاد ذكرياته مع مدرسة كان يدرّس فيها منذ الثمانينيات، وقال إن اسم المدرسة لم يكن مجرد لوحة معلقة على جدار، بل كان حكاية يرويها المعلمون للتلاميذ عن صاحب الاسم ودوره في التاريخ أو الثقافة.

وأضاف أن تغيير الاسم دون شرح أو نقاش مجتمعي واسع يشعره وكأن جزءاً من ذاكرته الشخصية قد أزيح بهدوء. في المقابل، يرى معلم شاب في إحدى المدارس التي شملها القرار أن المدرسة يجب أن تكون فضاءً محايداً، وأن الأسماء التي ارتبطت بمرحلة سياسية معينة لا مكان لها في مؤسسة يفترض أن تجمع أبناء المجتمع على اختلاف خلفياتهم.

وسط هذا الجدل، برزت قصص طلابية تعكس تباين المواقف. ريم، طالبة في الصف التاسع، تقول إن اسم مدرستها القديم كان مصدر فخر لها، لأنها كانت تشعر بأن انتماءها إلى مدرسة تحمل اسم شاعر سوري معروف يمنحها دافعاً للقراءة والكتابة. بعد تغيير الاسم، شعرت بشيء من الغربة، لكنها تؤكد أن حبها للأدب لم يتغير. على الطرف الآخر، يرى زميلها سامر أن الاسم لا يعني له الكثير، وأن الأهم هو نوعية التعليم والاهتمام بالطلاب، معتبراً أن النقاش حول الأسماء لا يجب أن يطغى على قضايا أكثر إلحاحاً.

ويشير معارضون للقرار إلى أن قطاع التعليم في حماة، كما في بقية المحافظات السورية، يعاني من تحديات كبيرة، أبرزها نقص الكوادر، وتهالك الأبنية المدرسية، والحاجة إلى تحديث المناهج. ويعتبر هؤلاء أن التركيز على تغيير الأسماء في هذا التوقيت قد يعطي انطباعاً بأن الأولويات غير مرتبة، وأن معالجة المشكلات الجوهرية يجب أن تتقدم على القضايا الرمزية. في هذا السياق، تُستحضر جهود منظمات دولية ومحلية عملت خلال السنوات الماضية على ترميم مدارس متضررة وتأمين مستلزمات أساسية لضمان استمرار العملية التعليمية.

في المقابل، يدافع مؤيدو الخطوة عن أهميتها الرمزية، معتبرين أن الأسماء ليست تفصيلاً ثانوياً، بل جزءاً من تشكيل وعي الأجيال. ويقول أحد الناشطين التربويين إن الطفل الذي يدرس في مدرسة تحمل اسم شخصية وطنية جامعة أو قيمة إنسانية واضحة، قد يتأثر إيجاباً بالرسالة الكامنة خلف التسمية. ويرى أن إعادة التسمية، إذا تمت بشفافية وبمشاركة المجتمع المحلي، يمكن أن تكون فرصة لإعادة النقاش حول الرموز التي تستحق أن تُخلد في الفضاء العام.

كما أثار إشراك جهات دينية في لجان اختيار الأسماء الجديدة نقاشاً إضافياً حول حدود العلاقة بين التعليم والدين، إذ رأى البعض أن الأمر قد يؤدي إلى تغليب طابع واحد على حساب التنوع الثقافي، بينما اعتبر آخرون أن الأسماء الدينية جزء أصيل من النسيج الاجتماعي ولا تتعارض بالضرورة مع التعليم المدني إذا ما أُحسن اختيارها.

بين تصحيح المسار وطمس الذاكرة، يبقى تغيير أسماء المدارس في حماة قضية مفتوحة على أسئلة أعمق تتعلق بكيفية إدارة الذاكرة الجماعية في مرحلة مليئة بالتحولات. فالمدرسة ليست مجرد مبنى أو اسم، بل فضاء تتقاطع فيه السياسة والثقافة والتاريخ، وأي قرار يمس هذا الفضاء يحتاج إلى حوار واسع يوازن بين الحاجة إلى التغيير واحترام ما رسخ في وجدان الناس عبر عقود. وفي مدينة مثل حماة، حيث للذاكرة ثقلها الخاص، يبدو هذا التوازن أكثر حساسية وتعقيداً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

- Advertisement -

- Advertisement -