حمص/ بسام الحمد
في صباح هادئ من أحد أيام الخريف 2025، يسير حسن على الطريق المؤدية إلى قرية عناز في وادي النصارى، يحمل سلة خضار يعتزم بيعها في السوق المحلي لقرى الوادي. لكن الهدوء الذي كان يعيشه حسن بات هشّاً. فقبل أيام، شهدت المنطقة حادثة إطلاق نار دموي أودت بحياة شبّان مسيحيين أمام مكتب المختار في نفس القرية، مما أثار غضب السكان وأعاد إلى السطح تساؤلات حول مدى استدامة التعايش في ظل هشاشة الوضع الأمني.
في ليلة الأربعاء 1 تشرين الأول/أكتوبر 2025، أطلق مسلحون ملثمون – يُعتقد أنهم أربعة أشخاص يستقلّون دراجتين ناريتين – نحو مجموعة من الأشخاص الجالسين قرب مكتب المختار في عناز، فقتلوهم بمئات الرصاصات. المهاجمون فرّوا باتجاه قرية الحصن، فيما عمّ الغضب أرجاء وادي النصارى. الأهالي قطعوا الطرق وأشعلوا الإطارات احتجاجاً، ودعت فعاليات محلية إلى إضراب عام.
الجهات الأمنية في حمص سارعت للتدخل. أعلن قائد الأمن الداخلي في المحافظة، العميد مرهف النعسان، أن التحقيق جار وأن الهدف من الجريمة هو زعزعة الاستقرار في المنطقة والتأثير على العملية الانتخابية لمجلس الشعب.
فيما عاد الهدوء الحذر إلى الوادي بعد تلك الليلة، إلا أن الخوف لا زال قائماً في نفوس كثير من السكان.
منذ وقوع الحادثة، بدأت علامات التوتر تتسلل إلى الحياة اليومية في الوادي. حسن، يعترف بأنه بات يتوخى الحذر في تنقّله مساءً، وقال: “أنا كنت أستطيع أن أعود إلى بيتنا بعد السوق متأخراً، دائماً هناك من يستقبلك بابتسامة أو كلمة سلام. الآن، أتلفت حولي أكثر”.
في المشتية مثلاً، حيث يملك نعيم مخبزاً يُعدّ من أقدم المخابز في الوادي، بات الكثير من الزبائن يأتون نهاراً لتفادي الرحلات في الليل. وقال نعيم: “الحياة لا تُبنى على الخوف، لكنّنا نشعر أن الحادثة جرحتنا. نحن نريد أن يستمر التعايش، لكن نطالب أن يُقام العدل، أن يُعرف الجناة ويُحاسبوا”.
وفي مرمريتا، حيث كان الزفاف الجماعي بين مسلمين ومسيحيين يمثل حدثاً عابراً، تساءلت سارة، إحدى العرائس التي احتُفل بها العام الماضي، بصوت حزين: “هل سيأتي يوم نشكّ فيه بمن ندعوهم؟ هل سيخشى الجارة المسيحية أن تلقينا ببراد القهوة، أو أن يخاف المسلم أن يذهب إلى كنيسة في عيد؟” هذه الأسئلة لم تكن موجودة – أو على الأقل لم تُطرَح صراحة – في العقود الماضية. إلا أن الحادثة الحديثة أعادت ترميم الجرح القديم في العلاقات المجتمعية، وجعلت المعنيين يعيدون النظر في كيفية حماية هذا النسيج.
رد الفعل لم يكن محصوراً في وادي النصارى وحده. في منطقة الحواش المجاورة، خرج الأهالي في مسيرة شموع حاشدة باتجاه عناز للتعبير عن التضامن مع الضحايا ومطالبهم بمحاسبة الجناة.
الاحتقان الشعبي تجلّى في قطع الطرقات، الإضراب العام، واستنكار واسع من كل شرائح السكان. الناشطون المحليون والفعاليات المدنية طالبوا بفتح تحقيق شفاف وجاد، وأشار بعضهم إلى أن التباطؤ في ملاحقة الجناة قد يغذي موجة ترهيب جديدة ويضعف الثقة في السلطة الأمنية.
في المقابل، تؤكد الجهات الأمنية أن التحقيق جار، وأنها خصّصت فرقاً لتطويق المنطقة وضبط الجناة. لكن التحدي الأكبر هو استعادة إحساس الناس بالأمان، وتأكيد أن القانون فوق الجميع، بغض النظر عن الانتماء الطائفي أو القبلي.
ليلى، سيدة مسيحية في قرية دوير الحوّاش، فقدت ابنها في الحادث. كانت تأمل أن يُدفن في مدفن القرية التي عاشت فيها أسرتها لأجيال. في اليوم الذي طلبت فيه تصريح الدفن، طرأت صعوبة في الإجراءات، فاضطرت للتوجه إلى مكتب المختار في عناز لاستكمال الأوراق وسط التوتر الأمني. تقول ليلى بصوت متقطع: “لم أكن أتخیّل أن بيتي، الذي ربّى أجيالاً من المسيحيين والمسلمين، سيشهد يوماً ما أن يأخذوا حياتي هكذا… لا أريد الانتقام، أريد أن يُعرف الحقّ.”
في تلك الأثناء، خرج على أثر الحادث الشيخ عبد الله، رجل مسن من قرية الدردارة المجاورة، فقال في خطبة صلاة الجمعة: “لن ندع الحادث يفت في عضدنا. لن نسمح أن يُسلب منا أمننا أو هويتنا. سنبقى إخوة، لكن لن نغضّ الطرف عن الجناة”.
فارس، شاب مسلم من قرية قرفا، كان دائماً يشارك في حملات النظافة والتزيين في الكنائس حين الأعياد في الوادي، كرسالة رمزية للتعايش. بعد الحادث، شعر أن ما فعله ليس كافياً، فقام بتنظيم لجنة شبابية تضم مسلمين ومسيحيين لتحصين الأمن الداخلي في بعض القرى – ليس عن طريق السلاح، بل عبر تفعيل التواصل بين الأحياء، مراقبة الوضع والمبادرة بالسلام بين الجيران إن جد خلاف.
يقول فارس: “ربما لا أملك سلاحاً ولا أمتلك قوة عسكرية، لكني أملك نفَس الشباب، وأعرف أن الجلوس مع الجار ومساءلة بعضنا البعض هو من أقوى الأدوات التي نملكها”.
بالانتقال إلى مدينة حمص، فإن التأثير يُلمس أيضاً، وإن بدرجة أقل حدة من الريف المسيحي. فالتجار المسيحيون في أسواق المدينة قالوا إن المبيعات تأثرت قليلاً نتيجة شعور بعض الزبائن بعدم الأمان. وفي بعض الأحياء مثل باب السباع، بدأ بعض أصحاب المحال بإضافة كاميرات مراقبة إضافية، والتنسيق بين الجيران بشكل أقوى تجاه أي تحرّك مريب.
لكن في العموم، حمص – التي تمثّل حالة أوسع للتعايش في سوريا – تحافظ إلى حدّ كبير على تماسكها، رغم أن الحوادث الأمنية التي تقع في أطرافها تُذكّر الناس بأن التعايش لا يُحفظ بالذكريات وحدها.
على الصعيد الوطني، تأتي الحادثة في سياق تصاعد التوترات الطائفية في سوريا، التي يرى البعض أنها قد تقود إلى محاولات تقسيم أو دويلات محلية إذا لم يتم احتواءها. تحقيق شفّاف وعادل: المفتاح هو أن يُعرف الجناة ويُحاسبوا، بطريقة تُطمئن الناس أن القانون فوق الجميع.
وكذلك تعزيز الأمن المحلي بشراكة المجتمع: التعاون بين الجهات الأمنية والمجالس المحلية، مع إشراك شباب الحي في مراقبة الأوضاع وإبلاغ عن الخطر. وإطلاق مبادرات مصالحة ومصالحة رمزية: أنشطة مشتركة، حفلات ثقافية وفنية تجمع بين شباب القرى، لتعزيز الروابط أكثر من كلمات التضامن وحدها. وتفعيل دور التعليم والميديا المحلية: تنمية وعي أجيال جديدة بأن التعايش ليس خضوعاً، بل شراكة، وأن الاختلاف ليس ذنباً بل جزء من الهوية السورية المتنوعة.
التطورات الأمنية الأخيرة في وادي النصارى – لا سيما حادثة القتل الجماعي في عناز – تشكّل اختباراً جدّياً للتعايش الذي طالما مثّل هذا الوادي نموذجاً يتردد صداه في أرجاء سوريا. القصص الجديدة التي سردناها تُظهِر أن التعايش ليس مجرد كلمات يرددها الناس، بل واقع يواجه رياحاً عاصفة ويحتاج إلى جهد مضاعف.
إذا لم تُحمَّ المؤسسات الأمنية بالدعم الاجتماعي والمساءلة، وإذا لم يشارك الناس في بناء الضمانات الحقيقية للأمن، فقد يتحوّل ما كان تاريخاً من التضامن إلى ميدان صراع جديد. لكن الأمل يكمن في أن شباب مثل فارس، ونساء مثل ليلى، ومجتمعات تتداعى نحو السلام، هم الذين يستطيعون أن يعيدوا التوازن، وأن يجعلوا من حادثة عناز نقطة انطلاق لتقوية النسيج الاجتماعي بدل أن تكون نقطة انكسار.