لكل السوريين

نبش القمامة في طرطوس يتحول من سلوك فردي إلى شبكات تعكس عمق الأزمة المعيشية

طرطوس/ اـ ن

لم يعد نبش القمامة في مدينة طرطوس وريفها نشاطاً فردياً عابراً أو سلوكاً شاذاً، بل تحول مع الوقت إلى ظاهرة منظمة تقف خلفها شبكات خفية تعمل بشكل شبه طبيعي، وكأنها ورشات عمل مفتوحة في الشوارع والأحياء، رجال ونساء وأطفال باتوا جزءاً من هذا المشهد اليومي القاسي، الذي لم يعد يقتصر على ألعاب لهو أو مغامرات عابرة، بل أصبح مرآة واضحة للعوز والفقر المتجذر.

تحول كيس الخيش المثقوب إلى أداة عمل قاسية، يعلقه النباشون من حاوية إلى أخرى، ويتأرجح بين أيديهم بحثا عن لقمة مفقودة أو مورد رزق شحيح، وفي هذا المشهد المؤلم، تتأرجح أيدي النباشين بين السماء والقمامة، بينما ينهمكون في غربلة محتويات الحاويات، ليكدسوا لاحقا ما جمعوه من زجاج وبلاستيك ونايلون وكرتون على دراجاتهم الهوائية، استعداداً لبيعه أو تسليمه لمن هم أعلى منهم في هذه السلسلة غير المعلنة.

ومن يراقب المشهد من بعيد، يلحظ أن الأطفال، ذكوراً وإناثاً، يعملون بجد واجتهاد، ممتهنين حرفة قاسية تتطلب مهارة وخبرة، يسحبون أكياس القمامة السوداء من داخل الحاويات، ويفرغونها في محيطها، وكأنهم يبحثون عن شيء أضاعوه يوماً بينما يخفي هذا البحث وجعاً عميقاً فرضته الحاجة.

ورغم قسوة العمل، يرفض هؤلاء توثيق نشاطهم أو الظهور أمام الكاميرات أو التحدث إلى الميكروفونات، ليس خجلاً من عملهم، بل خوفاً من الملاحقة أو الوصم، مع أنهم يبدون قدراً من الفخر بما يقومون به.

وعند سؤال أي واحد منهم عن سبب عمله في نبش القمامة، يأتي الجواب بارداً وثابتاً من دون رفع النظر بهذا العمل نؤمّن قوت يومنا وقوت عائلاتنا، نأكل ونشرب ولا نمد أيدينا لأحد. هذا الجواب يتكرر يوميا في شوارع طرطوس، ويختصر واقعا اجتماعيا بالغ القسوة.

ولا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لاكتشاف حجم الظاهرة، فمجرد التجوال في أي وقت من اليوم، صباحاً أو ظهراً أو مساء أو حتى ليلاً، في أحياء طرطوس أو مدنها وريفها، يكشف وجود أعداد كبيرة من النباشين غير المباليين، يحمل كل منهم كيس خيش كبير، ينبش في النفايات بحثاً عن مواد قابلة للبيع أو إعادة التدوير، وغالباً ما تُترك الأكياس الممزقة وبقايا القمامة متناثرة، مع ما يرافق ذلك من روائح كريهة ومظاهر تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية تجاه نظافة الأحياء وسكانها.

وتعكس ظاهرة نبش القمامة في طرطوس واقعاً اقتصادياً واجتماعياً مؤلماً، إذ يجد كثيرون أنفسهم مضطرين للبحث عن لقمة العيش في أكوام النفايات أو عن أي وسيلة تضمن بقاءهم، في ظل أوضاع اقتصادية خانقة وغياب فرص العمل، ما يعرّضهم لمخاطر صحية ونفسية جسيمة، في وقت تغيب فيه الرقابة الفاعلة من الجهات المعنية، سواء الرسمية أو المحلية أو الأهلية.

وعند سؤال النباشين عن طبيعة عملهم، يجيبون بهدوء موجع أن لا ساعات عمل ثابتة لهم، لكنهم يفضلون البدء باكراً لاستغلال اليوم كاملاً في جمع أكبر قدر ممكن من المواد.

يتنقلون بين الحاويات، ويمتلك معظمهم القدرة على تمييز الأحياء الفقيرة عن الأحياء الأكثر يسراً، حيث تعكس محتويات القمامة مستوى معيشة السكان، ويؤكدون أن مناطق العمل تُقسّم فيما بينهم بالتناوب، بينما يقوم بعض الأطفال بجمع المواد لصالح أشخاص أكبر سناً يتولون بيعها لاحقاً، ما يكشف عن وجود شبكة واسعة غير شرعية تدير عملية تدوير هذه المواد.

وتشير المعطيات إلى أن هذه الشبكات يقف على رأسها تجار كبار محصنون من المساءلة والفضيحة، إذ إن أي محاولة للتعمق في عالم النباشين لا تتجاوز في أفضل الأحوال الورشات الصغيرة، من دون الاقتراب من الرؤوس الكبيرة المستفيدة من هذا الواقع. ولا تقتصر دوافع نبش القمامة على الفقر المدقع أو قلة فرص العمل فحسب، بل تمتد أحياناً إلى ضغوط يمارسها الأهل أو الأقارب، ويكون الأطفال الضحية الأولى لهذه المهنة القاسية، التي لم يختاروها بإرادتهم، بل فرضتها ظروف اقتصادية خانقة وحاجة ملحة للبقاء.

وبينما يبدي بعض السكان تعاطفاً مع معاناة النباشين، يرى آخرون أن تفاقم هذه الظاهرة بات يشكل مشكلة حقيقية تتطلب حلاً شاملاً من الجهات المعنية، عبر اتخاذ خطوات عاجلة لتوفير فرص عمل بديلة، وتحسين خدمات جمع النفايات، وتنظيم عمليات إعادة التدوير بشكل قانوني وإنساني.

ويحذر مختصون من أن العمل في النفايات يعرّض العاملين لمخاطر صحية جسيمة، تشمل الجروح القطعية، والتسمم الكيميائي، والأمراض التنفسية والجلدية الناتجة عن الغازات والمواد المتحللة، إضافة إلى ارتفاع خطر الإصابة بالأمراض المعدية مثل الكوليرا والتهاب الكبد.

كما يترك هذا النوع من العمل آثاراً نفسية عميقة على النباشين، الذين يعيشون صراعاً يومياً مع مشاعر الإهانة والدونية، وقد تدفعهم قسوة الواقع إلى العدوانية أو العزلة والاكتئاب، في مشهد يعكس حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها طرطوس اليوم.

- Advertisement -

- Advertisement -