تقرير/ بسام الحمد
تشهد محافظتا حمص وحماة في الآونة الأخيرة حالة من القلق المتصاعد في الأوساط الريفية مع انتشار مرض الحمى القلاعية بين قطعان الماشية، في مشهد يعيد إلى الواجهة هشاشة قطاع الثروة الحيوانية وقدرته المحدودة على الصمود أمام الأوبئة. هذا المرض، المعروف بسرعة انتشاره وتأثيره القاسي على الأبقار والأغنام والماعز، لم يقتصر ضرره على الحيوانات وحدها، بل امتد ليصيب حياة آلاف الأسر التي تعتمد بشكل مباشر على تربية الماشية كمصدر رزق أساسي.
في ريف حمص الشرقي، بدأت القصة عندما لاحظ المربون أعراضاً غير مألوفة على مواشيهم. ارتفاع في درجات الحرارة، فقدان للشهية، تقرحات في الفم وعلى الأظلاف، وسيلان لعاب كثيف، كلها إشارات دفعت الخوف إلى قلوب المزارعين. “أبو ناصر”، وهو مربٍ خمسيني من إحدى القرى، يروي أن أول بقرة أصيبت في قطيعه كانت تتألم بشكل واضح وتعجز عن الوقوف، ثم خلال أيام قليلة انتقلت الأعراض إلى باقي القطيع. يقول بحسرة إن الحيوانات لم تعد قادرة على الحركة، وإن صوت أنينها كان كافياً ليشعر بالعجز الكامل أمام ما يحدث.
في حماة، تكررت المشاهد نفسها. “ليلى”، وهي أرملة تعيل أسرتها من تربية الأغنام، تحدثت عن خسارتها لعدد من الرؤوس الصغيرة خلال فترة قصيرة. كانت الأغنام المصابة ترفض الطعام وتستلقي لساعات طويلة، ومع ضعف المناعة لدى الصغار، لم تصمد طويلاً. بالنسبة لها، لم تكن الخسارة مادية فقط، بل معنوية أيضاً، إذ رأت في نفوق ماشيتها تهديداً مباشراً لاستقرار أسرتها ومستقبل أبنائها.
الحمى القلاعية، وإن كانت لا تشكل خطراً مباشراً على الإنسان في معظم الحالات، إلا أن آثارها الاقتصادية والاجتماعية قاسية. انخفاض إنتاج الحليب، تراجع الوزن، النفوق بين الحيوانات الصغيرة، وتكاليف العلاج والعزل، كلها عوامل تتراكم لتشكل عبئاً ثقيلاً على المربين. ومع انتشار المرض بين القرى المتجاورة، بات الخوف من انتقال العدوى أكبر من قدرة الأفراد على السيطرة عليه، خاصة في ظل حركة تنقل الماشية بين المناطق والأسواق.
“محمود”، وهو طبيب بيطري يعمل بشكل مستقل بين ريف حمص وحماة، يصف الوضع بالمقلق. يقول إن كثيراً من المربين يكتشفون المرض بعد فوات الأوان، إما بسبب نقص الوعي أو بسبب تأخر الإبلاغ خوفاً من القيود المفروضة على حركة الحيوانات. ويضيف أن سرعة انتشار المرض تجعل من العزل المبكر والتحصين أمراً حاسماً، لكن الإمكانيات المتاحة لا تكفي دائماً لتغطية جميع القطعان في الوقت المناسب.
في الأسواق، انعكست الأزمة بشكل مباشر. بعض التجار امتنعوا عن شراء الماشية خوفاً من الخسائر، فيما شهدت أسعار بعض المنتجات الحيوانية تقلبات واضحة. هذا التراجع في الحركة التجارية زاد من الضغوط على المربين، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين مرض يفتك بحيواناتهم وسوق متردد لا يوفر لهم متنفساً اقتصادياً.
وسط هذه الظروف، برزت قصص تضامن محدودة بين المزارعين، حيث حاول بعضهم مساعدة جيرانه عبر تبادل الخبرات أو المشاركة في تكاليف العلاج والتعقيم. إلا أن هذه المبادرات، على أهميتها، تبقى غير كافية أمام حجم الأزمة. فالمشكلة تتجاوز قدرة الأفراد، وتتطلب استجابة منظمة تعتمد على الوقاية، والتوعية، والدعم البيطري المستمر.
القلق الأكبر لدى سكان الريف هو أن تتحول هذه الموجة إلى أزمة طويلة الأمد، خاصة إذا لم يتم احتواء المرض بشكل كامل. فالثروة الحيوانية في حمص وحماة تمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي المحلي، وأي تراجع فيها ينعكس مباشرة على توفر الغذاء وأسعاره، وعلى استقرار المجتمعات الريفية التي أنهكتها أصلاً سنوات من الضغوط الاقتصادية.
ويكشف اجتياح الحمى القلاعية لقطعان الماشية في حمص وحماة عن معركة غير مرئية تدور بعيداً عن العناوين الصاخبة، لكنها لا تقل خطورة في آثارها. إنها معركة يخوضها مربون بسطاء دفاعاً عن مصدر عيشهم، في مواجهة مرض سريع الانتشار وإمكانات محدودة، على أمل أن تتضافر الجهود لكسر دائرة الخسارة قبل أن تتسع أكثر وتترك آثاراً يصعب ترميمها.