اللاذقية/ يوسف علي
يقول بديع وهو عامل في أحد مطاعم الشاطئ الأزرق في مدينة اللاذقية، إن أجره الشهري البالغ أربعمئة وخمسين ألف ليرة سورية لا يكفي حتى لتأمين المواصلات اليومية من منزله في ريف اللاذقية إلى مكان عمله، حيث يدفع أكثر من ثلاثين ألف ليرة يومياً أي ما يقارب تسعمئة ألف ليرة شهرياً وهو ما يفوق دخله بالكامل.
يضيف بديع أنه يضطر للنوم داخل المطعم بعد انتهاء دوامه، لتوفير نفقات المواصلات اليومية موضحاً أن كل ما يجنيه من عمله يخصصه لشراء الأدوية لأطفاله ومساعدة والده المريض، دون أن يتبقى له أي مبلغ يسد به حاجات منزله ويقدّر أن الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة في سوريا للفرد الواحد لا يقل عن مليون وخمسمئة ألف ليرة شهرياً.
هذه القصة ليست استثناء بل تعكس واقع مئات آلاف العاملين في القطاع الخاص السوري ممن يكافحون يومياً، من أجل البقاء وسط غلاء متصاعد وأجور لا تواكب ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويأتي هذا في الوقت الذي أقر فيه مرسوم أصدره رئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع زيادة رواتب العاملين في القطاع العام بنسبة مئتين بالمئة، ما فاقم شعور العاملين في القطاع الخاص بالتهميش خاصة في المهن التي تعتمد على الجهد البدني كالمطاعم والبناء والنقل والتي لا توفر سوى دخل محدود يعجز عن مواكبة المتطلبات الأساسية.
ويقول نمير شحرور صاحب مطعم في منطقة الشاطئ الأزرق، إن رفع الرواتب أمر غير ممكن في ظل التكاليف التشغيلية المتصاعدة، إذ ارتفعت أسعار اسطوانات الغاز بنسبة ثلاثمئة بالمئة خلال عام، ووصل سعر كيس الطحين إلى أربعمئة ألف ليرة أما فاتورة الكهرباء الشهرية بسبب الاعتماد على المولدات فقد تجاوزت ثمانية ملايين ليرة.
ويؤكد شحرور أنه إذا قرر رفع الرواتب سيضطر إلى إغلاق أبواب مطعمه وإذا رفع أسعار الوجبات سيفقد زبائنه، ويعتبر أن الحكومة تطالب بتحسين أجور العمال دون أن توفر أي دعم حقيقي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة سواء عبر تخفيض الرسوم الجمركية أو دعم المحروقات.
وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي، أن سوق العمل في سوريا يمر بأزمة عميقة نتيجة سياسات خاطئة أدت إلى تسريح آلاف الموظفين من القطاع العام خلال السنوات الماضية ما أسفر عن إغراق السوق بأيد عاملة دون توفير فرص عمل حقيقية.
ويؤكد الدكتور علي أن معدلات البطالة بين الشباب تجاوزت ستين بالمئة وهي من أعلى النسب في المنطقة، مشيراً إلى أن القطاع الخاص غير قادر على استيعاب هذه الأعداد بسبب شح السيولة وتراجع الاستثمارات.
ويحذر من أن زيادة أجور القطاع العام إذا لم تترافق مع دعم الإنتاج المحلي فإنها ستؤدي إلى موجة جديدة من التضخم، خاصة إذا لجأت الحكومة إلى طباعة العملة أو الاعتماد على منح خارجية غير مضمونة كحال المنحة القطرية الشهرية التي تبلغ تسعة وعشرين مليون دولار.
ويجمع اقتصاديون على أن سوريا تحتاج إلى خطة إنقاذ شاملة تشمل دعم الإنتاج المحلي وضبط أسعار المواد الأساسية، وتقديم حوافز للقطاع الخاص لتمكينه من الاستمرار دون أن يضطر إلى تسريح العمال أو إغلاق مؤسساته.
كما يشدد الخبراء على أهمية توحيد سلم الرواتب تدريجياً بين مختلف المناطق السورية مثل دمشق وإدلب ومناطق شمال وشرق سوريا لتفادي الصدمات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي ظل غياب هذه الإجراءات سيبقى حال بديع وآلاف العاملين في القطاع الخاص على ما هو عليه في مواجهة أجور متآكلة وغلاء لا يرحم بينما تستمر الفجوة بالاتساع بين القطاعين العام والخاص، وتتآكل القدرة الشرائية لشرائح واسعة من السوريين ممن باتوا عاجزين عن تأمين أبسط مقومات الحياة.