لكل السوريين

في مستشفيات دمشق الخاصة.. الممرضات ضحايا الاستغلال

دمشق/ مرجانة إسماعيل

في مستشفيات دمشق الخاصة، حيث يُفترض أن تكون العناية الصحية في أعلى مستوياتها، تعيش الممرضات واقعاً مريراً يفتقد لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية. خلف الجدران البيضاء وتحت أقنعة الابتسامات المهنية، تكتم آلاف الممرضات صرخات المعاناة اليومية التي تتراوح بين الاستغلال المادي والتحرش الجنسي والإرهاق النفسي والجسدي الذي لا يطاق.

تقول سمر، ممرضة في مستشفى خاص بدمشق منذ خمس سنوات، بينما تمسح دموعها خلف الكمامة: “أعمل 12 ساعة يومياً بأجر لا يتجاوز ٤٥٠ ألف ليرة سورية (أقل من 40 دولاراً)، بينما يتقاضى الطبيب المبتدئ في نفس المستشفى ضعف هذا المبلغ عن نصف ساعات عملي”. تضيف وهي تخفض صوتها خوفاً من المسؤولين: “في نهاية الشهر لا يكفيني راتبي لدفع أجار الغرفة التي أسكنها مع زميلتين أخريين، فكيف بي أؤمن احتياجات أسرتي؟”.

ولا تقتصر المأساة على الأجور الزهيدة، بل تمتد إلى نظام العقود المجحف. تشرح رنا، التي تعمل في مستشفى خاص منذ ثلاث سنوات: “أُجبرنا على توقيع عقود تنص على أننا متطوعات، لنحرم من أبسط حقوقنا مثل التأمين الصحي والإجازات المرضية”. تروي كيف أُصيبت بكورونا خلال الجائحة واضطرت للعمل رغم ارتفاع حرارتها لأن المستشفى رفض منحها إجازة دون خصم من الراتب الهزيل أصلاً.

لكن أخطر ما تواجهه الممرضات هو التحرش الجنسي الذي تحول إلى ظاهرة صامتة في العديد من المنشآت الصحية الخاصة. تغضض هبة صوتها إلى همسة وهي تروي تجربتها: “المسؤول عن القسم يطلب مني البقاء بعد الدوام لإنجاز أعمال إضافية، ثم يبدأ بلمسات ‘غير مقصودة’، وعندما اشتكيت لإدارة المستشفى، قالوا لي ‘هذا طبيعي في مجتمعنا، كوني أكثر حكمة'”. الأكثر إيلاماً أن العديد من الضحايا يفضلن الصمت خوفاً من الفصل أو التشهير، خاصة في ظل غياب أي حماية قانونية أو نقابية فعلية.

ويصل الوضع إلى حد الإذلال أحياناً. تذكر ياسمين، ممرضة في العشرينات من عمرها: “يُطلب منا أحياناً تنظيف مكاتب الإدارة وخدمة أبناء المسؤولين في المستشفى، وكأننا خادمات وليس كوادر صحية”. تضيف بأن الإدارة تخصم من رواتبهن مقابل أي غلطة بسيطة، بينما تتهاون مع أخطاء الأطباء الكبيرة.

وتقول لينا، أم لثلاثة أطفال: “أشتري حليب أطفالي بالتقسيط من الصيدلية التي أعمل فيها، بينما أبناء المرضى الذين أخدمهم يشربون أفخر أنواع الحليب المستورد”. تكمل بنبرة حزينة: “في بعض الأيام لا آكل سوى وجبة واحدة لأن مصاريف المواصلات تأكل نصف راتبي”.

المفارقة الأكثر قسوة أن هذه المعاناة تحدث في ظل أرباح خيالية تجنيها المستشفيات الخاصة. يوضح أحد المحاسبين العاملين في مستشفى كبير، رفض الكشف عن اسمه: “تكلفة الممرضة لا تتجاوز 1% من قيمة الفاتورة التي يدفعها المريض مقابل عملية جراحية واحدة، ومع ذلك يبخلون عليها بكل قرش”.

الضغوط النفسية الناتجة عن هذه الظروف تنعكس سلباً على جودة الرعاية المقدمة للمرضى. تعترف إحدى الممرضات: “أحياناً لا أستطيع التركيز وأنا أعطي الدواء للمريض لأنني أفكر كيف سأوفر ثمن الدواء لأبي المريض في البيت”. حالة من الاستنزاف النفسي تصيب الكثيرات، حيث تقول دراسة أجرتها منظمة محلية أن 78% من الممرضات في المستشفيات الخاصة يعانين من أعراض الاكتئاب.

وترك غياب النقابات الفاعلة والقوانين الرادعة الممرضات فريسة سهلة للاستغلال. تحكي نورا، التي عملت في ثلاث مستشفيات مختلفة: “في كل مكان نفس القصة، عندما تطلبين حقك يُقال لكِ: ‘هناك الآلاف غيرهن ينتظرن فرصتكِ'”. هذا التهديد المستتر يجبر معظم الممرضات على القبول بواقع مرير.

رغم كل هذا، تستمر الممرضات في أداء واجبهن بدقة وإنسانية نادراً ما تجدان في القطاع الصحي. تقول سارة، وهي ممرضة في قسم الطوارئ: “عندما أرى مريضاً يشكرني على عنايتي به، أشعر بأن معاناتي لها معنى، لكن هذا لا يكفي لسد جوعي أو حماية كرامتي”.

- Advertisement -

- Advertisement -