حماة/ جمانة الخالد
يجلس خالد في قلب مدينة حماة، موظف في إحدى الدوائر الحكومية منذ أكثر من عشر سنوات، يومياً أمام مكتبه في مكتب مكتظ بالملفات والكتب، لكنه لا يُسند إليه أي مهام فعلية. يقول خالد بصوت هادئ: “أمضي ساعات طويلة أضع توقيعي على بعض الأوراق فقط، وكأنني موجود للوجود، لا للعمل. في بعض الأيام أشعر أن وجودي مجرد رقم في إحصاءات رسمية، دون أن يكون لي أي تأثير حقيقي”.
خالد ليس حالة استثنائية؛ ففي العديد من المؤسسات الحكومية بحماة، يظل عدد كبير من الموظفين يشغل وظائف شكلية لا تسهم في الإنتاج، ويكتفي المديرون بوجودهم لأسباب إدارية أو مجاملات شخصية. هذه الظاهرة، التي يطلق عليها الباحثون البطالة المقنّعة، تمثل وجهاً خفياً للفساد الإداري وتشويهاً للمؤشرات الاقتصادية، فهي تضخم النفقات وتقلل الإنتاجية، وتخلق شعوراً بالفراغ النفسي لدى العاملين أنفسهم.
منى، مهندسة معمارية شابة تعمل في إحدى شركات الخدمات العامة بحماة، تحدثت عن تجربتها قائلة: “لقد تم توظيفي رسمياً منذ ثلاث سنوات، لكن عملي الحقيقي محدود جداً، معظم الوقت أقضي على مراجعة أوراق أو حضور اجتماعات شكلية. أشعر أنني لا أستفيد، والمؤسسة لا تستفيد مني أيضاً”، هذه التجربة تعكس أحد أبرز مخاطر البطالة المقنّعة، فهي لا تقتل الدافعية الفردية فحسب، بل تؤدي إلى تراجع ثقافة العمل والانضباط بين الموظفين، وتكرس مبدأ “الحضور مقابل الراتب” بدل “الجهد مقابل الراتب”.
البطالة المقنّعة في حماة تتغلغل أيضاً في القرى المحيطة، حيث يشغل بعض الأفراد وظائف لا تحتاجها الإدارة فعلياً، بينما تظل الكفاءات الحقيقية بلا استثمار. سمير، موظف إداري من ريف حماة، يروي: “هناك أشخاص تم توظيفهم عبر علاقات شخصية أو مجاملات، بينما يوجد آخرون مؤهلون علمياً لا يجدون مكاناً لهم. النتيجة أن بعض الأقسام تعمل بشكل شبه فارغ، وأقسام أخرى مكتظة بلا جدوى”. هذا التوزيع العشوائي للكوادر يفاقم سوء التخطيط الإداري ويزيد من هدر الموارد البشرية والمالية.
الدكتور رامي الكيلاني، أستاذ الاقتصاد في جامعة حماة، يؤكد أن البطالة المقنّعة لا تؤثر فقط على الأفراد، بل على الاقتصاد العام. “الرواتب تُصرف مقابل وجود شكلي، والإنتاجية منخفضة، ما يؤدي إلى تضخم النفقات التشغيلية وتشويه الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع النمو الاقتصادي، وتقل القدرة على المنافسة”. ويضيف: “المشكلة الأكبر أن هذه الوظائف الشكلية لا تُسجل ضمن معدلات البطالة الرسمية، فتبدو الأرقام أفضل مما هي عليه في الواقع”.
ومن جهة أخرى، تؤثر البطالة المقنّعة على روح الانتماء للمؤسسة، فالحوافز والمكافآت غالبًا تُمنح للأشخاص غير المستحقين، مما يخلق شعوراً بالظلم بين الموظفين المجتهدين. يقول فادي، مدير قسم صغير في إحدى البلديات بحماة: “عندما ترى أن مجهودك لا يُقدّر وأن غيرك يتقاضى نفس الراتب دون عمل حقيقي، يتراجع الحافز، وتبدأ روح المبادرة بالاختفاء”.
على الجانب الاقتصادي، يلعب القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً في امتصاص البطالة المقنّعة، من خلال خلق فرص عمل منتجة تُسهم في تحريك عجلة النمو المحلي. كما أن تحسين التعليم المهني والتقني يعد ضرورة، فالتعليم الجامعي وحده لا يواكب احتياجات سوق العمل الحديث. وقدرة المجتمع على إعادة النظر في القيم المرتبطة بالعمل المهني ستساعد على تقليل البطالة السلوكية وتوجيه الشباب نحو وظائف حقيقية قابلة للإنتاج.
والبطالة المقنّعة في حماة ليست مجرد مشكلة رقمية أو إدارية، بل انعكاس لأزمة أعمق في التخطيط والإدارة والمجتمع. قصص خالد ومنى وسمير تعكس واقع آلاف الموظفين الذين يقضون ساعاتهم في مكاتب بلا جدوى، بينما المؤسسات تعاني من انخفاض الإنتاجية وزيادة النفقات. مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تضافر جهود الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لتطبيق العدالة والكفاءة في التوظيف، وتعزيز الإنتاجية، وإعادة الاعتبار لقيمة العمل، بما يحقق تنمية اقتصادية مستدامة ويعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.