تواجه سوريا اليوم مرحلة دقيقة في تاريخها الحديث، وتتطلب هذه المرحلة إعادة النظر في أسس الحكم ومؤسساته، والعمل على صياغة خطاب سياسي شامل، تشارك في صياغته كل المكونات السورية دون إقصاء أو تهميش، بما يضمن المستقبل المستدام، بعد سنوات طويلة من النزاع الداخلي والتحديات الأمنية والاجتماعية المتراكمة، والتدخلات الخارجية المتنوعة.
وتشكل التشاركية السياسية ضرورة استراتيجية لإعادة بناء دولة مستقرة، تتمكن فيها جميع المكونات من المشاركة في صناعة قراراتها، والمساهمة الفعلية في صياغة سياساتها العامة، بعيداً عن منطق السيطرة الفردية أو المذهبية أو المركزية المطلقة.
لقد أظهر المشهد السياسي الراهن هشاشة المؤسسات العامة، ما يعكس الحاجة الماسة إلى تعزيز آليات الشفافية والمساءلة والكفاءة في العمل العام.
وفي الوقت نفسه، تبرز أهمية تعزيز دور المجتمع المدني والنخب السياسية والثقافية الوطنية، وضمان تمثيل عادل لكل الأطراف السياسية والاجتماعية في القرارات المصيرية، والانتخابات النزيهة، وحق تشكيل الأحزاب المشاركة فيها.
إن تعزيز التشاركية يتطلب تطوير ثقافة مدنية سياسية، تتجاوز الهويات الضيقة والفكر الطائفي، وبناء مؤسسات محلية قادرة على ممارسة الصلاحيات بشكل فعال، ضمن إطار قانوني مدروس وواضح ولا لبس فيه.
كما ينبغي أن يكون أي مؤتمر وطني أو حوار سياسي منصة تأسيسية، تتمثل فيها جميع القوى السياسية والمجتمعية، وتضع خارطة طريق واضحة نحو إصلاح دستوري، وإدارة مركزية مرنة، تعزز الاستقرار وتضمن حماية الحقوق العامة، وخاصة حقوق الأقليات، مما يؤسس لعقد اجتماعي جديد يربط الدولة بالمجتمع، ويجعل من المواطن شريكاً لا تابعاً، ويجعل دوره أساسياً وليس هامشاً في بناء مستقبل سوريا.