في زمنٍ ازدحمت فيه الطاولات الدولية بالحديث عنّا، بينما خلت طاولتنا نحن من أصواتنا، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: لماذا نصرّ على انتظار الحل من الخارج، وكأننا شعبٌ لا يملك القدرة على صياغة قدره؟
وكأن السوري، صاحب الجرح والذاكرة والحق، صار عاجزًا عن رفع صوته ليقول: هذا الوطن لنا، ومصيره يجب أن يُكتب بأيدينا.
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الأزمات بعين الخارج قبل الداخل؛ ننتظر المبادرات، نتحسس المواقف، نقرأ حسابات القوى، ونترقب لحظة توافق دولي ليفتح لنا بابًا نحو الغد. لكن الحقيقة المرة التي تهرب منها النخب قبل الناس هي أن سوريا لن تُبنى أبدًا ما لم نكن نحن صُنّاع قرارها الأول والأخير.
لسنا قاصرين سياسيًا، ولسنا مجتمعًا عاجزًا حتى نستعير عقلًا من وراء البحار.
إن كل محاولة لوضع مصيرنا على طاولة الآخرين هي اعتراف ضمني بأننا لا نثق بأنفسنا… وهذا، ببساطة، غير صحيح.
حوار وطني… لا حوار وصايات
الحوار الذي نحتاجه ليس مؤتمرًا عابرًا، ولا بيانًا مصقولًا، ولا اجتماعًا تُلتقط فيه الصور ثم تتناثر الوعود.
الحوار الذي نحتاجه هو ذلك الذي يضع كل جرح على الطاولة؛
الذي يسمح لكل صوت، مهما كان مختلفًا، أن يُسمع؛
الذي يعترف بتاريخنا وما حمله من أخطاء، لا ليبقى أسيرًا لها، بل ليبني عليها طريقًا جديدًا.
هذا الحوار لن يُصنع في عواصم الآخرين.
ولن يُمنح لنا على ورقة، مهما كان الحبر الذي كُتب بها لامعًا.
إنه حوارٌ يولد من الداخل، من إرادة السوريين حين يقررون أنهم سئموا الدوران في دوائر تدخلاتٍ لا تزيدهم إلا تعبًا وانقسامًا.
الحلول الخارجية… مسكنات لا تشفي
لا نُنكر أن القوى الدولية والإقليمية تمتلك تأثيرًا، لكنها لا تمتلك الحل.
فأقصى ما تمنحه لنا هو تسوية هشة، أو استقرار مؤقت، أو معادلات تُكتب وفق مصالحها لا مصالحنا.
ولذلك، فإن الاعتقاد بأن الخارج قادر على صناعة خلاصٍ سوري هو وهمٌ مُكلف، دفعنا ثمنه لسنوات طويلة من الانتظار والخيبة.
إن الحل الوطني – حين يكون حقيقيًا وجريئًا وصادقًا – لا يمكن لأي قوة أن تقف في وجهه.
فإرادة الناس، حين تتوحد، هي الحدث الأكبر، وهي الميزان الذي يعيد صياغة كل المعادلات من جديد.
هل نثق بأنفسنا؟
السؤال الجوهري ليس: من سيدعمنا؟
بل: هل نثق بأنفسنا نحن؟
هل نملك الشجاعة لنجلس معًا، بكرامة الندّ للندّ، ونصنع كلمة سواء تجمعنا بدل أن تزيدنا فرقة؟
هل نستطيع أن نرى بعضنا كما نحن، لا كما تُرسم لنا صورنا في تقارير العواصم البعيدة؟
لقد آن الأوان لنعترف بأن مستقبل سوريا لن يصنعه سوى السوريين،
وأن اللحظة الحقيقية للتغيير تبدأ عندما نتوقف عن انتظار من يعرفنا على أنفسنا،
أو من يحدد لنا من نحن، وماذا نريد، وإلى أين يجب أن نسير.
خاتمة… ليست خاتمة
سوريا لا تحتاج معجزة.
تحتاج فقط أن نؤمن أن خلاصها فينا، لا في سوانا.
وأن طاولة الحوار الوطني هي قدرنا الذي لا مهرب منه…
وأن الكلمة السواء ليست شعارًا بل مشروعًا للنجاة.
فلنقترب من بعضنا.
فهذا الوطن، بعد كل ما خسره، يستحق أن نعطيه فرصة أخيرة…
فرصةً تكون سورية خالصة.