طرطوس/ اـ ن
تعيش مدن وأرياف محافظة طرطوس أزمة متفاقمة في إدارة النفايات الصلبة، مع انتشار مكبات النفايات في محيط مدن الدريكيش والشيخ بدر وصافيتا والقدموس وبانياس، إضافة إلى المناطق المشتركة بين المدن والأرياف المتجاورة، وتسبّب هذه المكبات بيئة خانقة مليئة بروائح كريهة، وحشرات وقوارض، وأمراض تتسلل إلى البيوت بصمت، دون أن تُطرح حلول جذرية على مدار سنوات طويلة.
ويصف خبراء البيئة الوضع بأنه يمثل انتهاكاً صارخاً لحق المواطنين في التنفس والعيش في بيئة سليمة، حيث لم تجلب المكبات سوى التلوث والمخاطر الصحية، ودمرت مساحات زراعية يعتمد عليها العديد كمصدر رزق. كما يشكل تلوث المياه الجوفية خطراً واقعياً قد يمتد أثره لعقود قادمة، ما يجعل هذه القضية أكثر من مجرد مشكلة بيئية، بل مسألة عدالة اجتماعية وحقوق إنسان أساسية.
ويشير السكان إلى أن المشكلة ليست جديدة، فقد اعتمدت السياسات السابقة على نقل مكبات النفايات من منطقة ريفية إلى أخرى دون معالجة جذور الأزمة. وغالباً ما كانت المناطق الريفية، التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات، هي الأكثر استهدافاً، فيما يبدو محاولة لتعميق الفجوة بين المدينة والريف، وخلق شعور بالغبن والتمييز في توزيع المخاطر البيئية.
ويرى المواطنون أن نقل المكبات من ريف إلى آخر لم يكن إصلاحاً، بل إعادة توزيع للأذى، دون احترام المساواة في حقوق السكان. فحماية بيئة مدينة بانياس أو مدينة القدموس لا يجب أن تكون على حساب خنق بيئة القرى التابعة لها، إذ أن الهواء والماء النقيين حق للجميع، وليس امتيازاً لبعض المناطق على حساب أخرى.
ويشير الخبراء إلى أن الحلول الحديثة لإدارة النفايات معروفة ومتاحة، وتشمل مصانع التدوير، ووحدات معالجة النفايات العضوية، ومواقع تخزين مؤقتة بعيدة عن التجمعات السكانية، بالإضافة إلى سياسات فرز النفايات من المصدر. ومع ذلك، فإن هذه الحلول تتطلب إرادة سياسية ورؤية بيئية حقيقية، وليس قرارات إسعافية مؤقتة تعيد إنتاج المشكلة في مناطق أخرى.
وتؤكد التقارير أن عشرات المبادرات والمجتمع المدني، على رأسها مجالس المدن التابعة للمحافظة، حاولت سد الفجوة الناتجة عن غياب مؤسسات الدولة، إلا أن الأزمة اليوم تفوق قدرات هذه المجتمعات المحلية، وتستدعي تدخلاً حكومياً عاجلاً لحماية صحة السكان ووضع حد للإهمال المتواصل.
ويضيف الخبراء أن إدارة النفايات الصلبة في طرطوس تتحول من أزمة خدمية إلى خطر بيئي وصحي واجتماعي واقتصادي يهدد استدامة الحياة في المدن والريف على حد سواء. فالإهمال أدى إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية الخاصة بالنفايات، بما في ذلك المكبات، والشاحنات، ومراكز الفرز. ونتج عن ذلك تلوث الهواء والتربة والمياه، وزيادة حالات التهابات الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية، وتسجيل حالات سرطان خاصة بين الأطفال في المناطق القريبة من المكبات. كما تفشت الأمراض الناتجة عن تلوث المياه، وتسبب تراكم النفايات في زيادة عمالة الأطفال وتعطيل السياحة المحلية نتيجة المظاهر البيئية المشوهة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف علاج الأمراض المرتبطة بالتلوث.
ويشدد الخبراء على أن الحل الحقيقي يكمن في تحديث البنية التحتية، من خلال إنشاء مكبات صحية مغلقة وفق المواصفات العالمية، وتوفير أسطول حديث لجمع النفايات، مع اعتماد نظام رقمي لمتابعة عمليات الجمع. كما يجب التوسع في الفرز وإعادة التدوير عبر فرض فرز النفايات من المصدر (المنزل، السوق، المنشآت)، ودعم الصناعات المحلية لإعادة التدوير بمنح وتسهيلات ضريبية.
وأهم الإجراءات المطلوبة تشمل سن قوانين بيئية وطنية واضحة، وتطبيق العقوبات على المخالفين، وفرض غرامات على من يرمي أو يحرق النفايات عشوائياً، إلى جانب تعزيز التوعية المجتمعية والتعليم البيئي وإدخال مفاهيم إدارة النفايات في المناهج الدراسية، وإطلاق حملات إعلامية بالتعاون مع الجامعات والمنظمات المحلية والدولية. كما ينبغي دعم البلديات والمجالس المحلية بالتمويل المباشر من الحكومة والمنظمات، وتدريب الكوادر البلدية على إدارة النفايات الحديثة باستخدام التقنيات المتطورة.
ويؤكد الخبراء أن الحل لا يكمن في ردود فعل مؤقتة، بل في بناء نظام بيئي وطني مستدام يعالج جذور المشكلة ويستثمر في الإنسان والطبيعة على حد سواء. وتكمن أهمية الحلول العلمية في الاعتماد على بيانات موثوقة ودراسات ميدانية يشارك فيها مختصون، لضمان نهج متكامل وفعال لإدارة النفايات وحماية البيئة والصحة العامة في مدن وأرياف محافظة طرطوس.