في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها سوريا، تتحول تطبيقات البث المباشر والدردشة الصوتية لمصدر رزق للعديد من السوريات، لكنها تحمل في طياتها مخاطر الاستغلال والدعارة الإلكترونية. تقريرنا من دمشق يكشف قصصاً واقعية لسيدات وجدن أنفسهن أمام خيارات صعبة بين الحاجة الماسة للدخل والمحاذير الأخلاقية.
تقول سارة، وهي شابة في منتصف العشرينات من ريف دمشق: “بعد تخرجي من الجامعة لم أجد أي فرصة عمل مناسبة. سمعت عن تطبيق Bigo Live من صديقاتي، وبدأت العمل فيه كمذيعة”. توضح سارة أنها بدأت بالحديث عن مواضيع عامة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن المتابعين يفضلون المحتوى الأكثر إثارة. “في البداية كنت أرفض أي طلبات غير لائقة، لكن مع استمرار الأزمة وارتفاع الأسعار، أصبحت أكثر مرونة في قبول ما يطلبه المتابعون مقابل الهدايا النقدية”.
أما أم يوسف، أرملة وأم لثلاثة أطفال، فتقول بحسرة: “كنت أعمل في تنظيف المنازل، لكن الدخل لم يكن يكفي. سمعت عن تطبيق للدردشة الصوتية يدفع المال مقابل التحدث مع الناس، فقررت التجربة”. توضح أنها بدأت بالحديث العادي، لكنها اكتشفت لاحقاً أن التطبيق يستخدم كواجهة للدعارة الإلكترونية. “كان الوكيل يدفعني لقبول محادثات أكثر خصوصية مقابل أموال إضافية. شعرت بالذنب، لكن حاجة أطفالي جعلتني أستمر”.
في الجانب الآخر، تحاول لينا، طالبة جامعية، الموازنة بين دراستها وعملها في أحد تطبيقات البث المباشر. “أعمل كمقدمة برامج ثقافية، وأحاول الابتعاد عن أي محتوى غير لائق. لكن المنافسة صعبة، فالمتابعون يفضلون المحتوى المثير”. تضيف لينا أنها ترفض أي عروض مالية مقابل أفعال غير أخلاقية، لكنها تعترف أن العديد من زميلاتها يقدمن على ذلك بسبب الحاجة.
من جهة أخرى، يحذر خبراء من تنامي ظاهرة الدعارة الإلكترونية في سوريا عبر هذه التطبيقات. يقول أحد الباحثين في الشؤون الاجتماعية: “تستغل العصابات الإلكترونية حاجة الناس للعمل، وتجندهم عبر وكلاء محليين. المشكلة أن العديد من الضحايا لا يدركون أنهم يمارسون الدعارة الإلكترونية حتى يصبحوا مدمنين على الدخل السريع”.
وتشير إحصائيات غير رسمية إلى أن آلاف السوريات يعملن في هذه التطبيقات، بعضهن بوعي كامل بطبيعة العمل، وأخريات يقعن ضحايا للخداع. تقول نور، إحدى ضحايا الاستغلال: “بدأت العمل كمدققة لغوية في أحد التطبيقات، لكنهم طلبوا مني لاحقاً تقديم محتوى إباحي. عندما رفضت، قطعوا رواتبي وهددوني بنشر صوري الشخصية”.
في المقابل، تحاول بعض المنظمات المحلية توعية النساء بمخاطر هذه التطبيقات. تقول مسؤولة في جمعية نسائية: “ننظم ورش عمل لتعريف النساء بالحدود الفاصلة بين العمل الشرعي والدعارة الإلكترونية. المشكلة أن العديد من العائلات الفقيرة تدفع بناتها لهذا العمل بسبب الحاجة الماسة”.
أما على الصعيد القانوني، فإن غياب تشريعات واضحة لمكافحة الدعارة الإلكترونية يجعل من الصعب ملاحقة المستغلين. ويطالب نشطاء بسن قوانين صارمة لحماية النساء من هذه الممارسات، مع توفير بدائل عمل آمنة.
تبقى هذه الظاهرة في سوريا نتاجاً طبيعياً للأزمة الاقتصادية الطاحنة، حيث تدفع الظروف القاسية العديد من الأسر لاتخاذ قرارات صعبة. كما تطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية معقدة في مجتمع ما زال يحتفظ بجزء كبير من قيمه التقليدية، بينما يضطر للتعامل مع متطلبات العصر الرقمي بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات.