دمشق/ مرجانة إسماعيل
في شوارع دمشق ومدن سورية أخرى، أصبح مشهد الباعة المتجولين للوقود أمراً مألوفاً. براميل الصفيح المليئة بالبنزين والمازوت تتراص على الأرصفة، بينما تتصاعد أبخرة سامة تختلط بهواء المدن. هذه الظاهرة التي انتشرت كالنار في الهشيم تطرح أسئلة خطيرة عن مستقبل الصحة العامة والبيئة في سوريا.
تقول أم ياسر، وهي سيدة أربعينية من حي الميدان في دمشق: “اشتريت وقوداً من أحد الباعة الجائلين لأن سعره أقل بكثير من المحطات الرسمية. بعد أسبوع، تعطل محرك سيارتي واضطررت لدفع مبلغ كبير لإصلاحه”. تضيف بحسرة: “الآن أعلم أن التوفير كان وهمياً، لكن ما الخيار أمامنا عندما لا نستطيع شراء الوقود الرسمي بأسعاره الباهظة؟”
في مستشفى المواساة التعليمي، يسجل الأطباء ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الأمراض التنفسية. الدكتور نبيل، اختصاصي أمراض الصدر، يوضح: “خلال الأشهر الثلاثة الماضية، زادت حالات التهاب القصبات الحاد بين الأطفال بنسبة 40% مقارنة بالعام الماضي”. ويضيف: “الكثير من المرضى يأتون من أحياء تنتشر فيها بيع الوقود العشوائي، حيث تلوث الهواء بغازات سامة مثل كبريتيد الهيدروجين”.
الخبير البيئي الدكتور معن ديوب يحذر من تداعيات هذه الظاهرة: “الوقود المباع في الشوارع غالباً ما يكون منخفض الجودة، يحتوي على شوائب ومواد كيميائية ضارة. عند احتراقه، ينتج انبعاثات سامة تتجاوز الحدود المسموح بها عالمياً بأضعاف مضاعفة”.
في حي القدم جنوب دمشق، يعمل أبو محمد في بيع الوقود منذ عامين. يقول: “أعرف أن هذا العمل غير قانوني، لكنه المصدر الوحيد لرزق عائلتي”. يشرح كيف يحصل على الوقود: “أشتريه من تجار غير معروفين، وأبيعه بسعر أقل من المحطات الرسمية بنسبة 30%. الناس يحتاجون إليه، خاصة في فصل الشتاء لتشغيل المولدات الكهربائية والمدافئ”.
لكن هذه الممارسات تحمل مخاطر جسيمة. المهندس الكيميائي وسام الحلبي يشرح: “الوقود المغشوش أو المخفف يمكن أن يتسبب في حرائق أو انفجارات، خاصة عند تخزينه في منازل أو محلات غير مجهزة لذلك”. ويضيف: “بعض العينات التي فحصناها تحتوي على مواد كيميائية خطيرة مثل الرصاص والبنزين، التي تسبب أمراضاً سرطانية على المدى البعيد”.
على الصعيد القانوني، تظهر ثغرات كبيرة. المحامي خالد الزين يوضح: “القوانين السورية لا تتعامل بشكل صارم مع بيع الوقود غير المرخص. العقوبات الموجودة غير رادعة، والتطبيق العملي ضعيف بسبب انتشار الظاهرة وعدم وجود بدائل كافية للمواطنين”.
الاقتصادي الدكتور علي مراد يحلل الأبعاد المالية للأزمة: “الدولة تخسر ملايين الدولارات سنوياً بسبب تجارة الوقود الموازية. هذه الخسائر تشمل الضرائب والرسوم الجمركية، بالإضافة إلى الأضرار التي تلحق بالمركبات والمعدات التي تستخدم وقوداً رديئاً”.
في ريف دمشق، تحاول بعض العائلات إيجاد حلول بديلة. أبو أحمد، مزارع من دوما، يقول: “حولت سيارتي للعمل بالغاز الطبيعي لتجنب مشاكل الوقود المغشوش. لكن هذه الحلول مكلفة ولا تناسب الجميع”.
أما على الصعيد البيئي، فتظهر المؤشرات تدهوراً خطيراً. تقارير غير رسمية تشير إلى أن دمشق أصبحت من بين أكثر المدن العربية تلوثاً، حيث تتجاوز نسبة الجسيمات الدقيقة في الهواء الحدود الآمنة بأكثر من خمسة أضعاف.
الدكتورة هدى، ناشطة في مجال الصحة العامة، تحذر: “الآثار الصحية لهذا التلوث ستظهر على المدى البعيد. نحن نتحدث عن جيل كامل معرض لأمراض تنفسية مزمنة وحتى سرطانية بسبب استنشاق هذه السموم يومياً”.
في ظل هذا الواقع المرير، يبقى السؤال: ما الحل؟ الخبراء يتفقون على ضرورة معالجة المشكلة من جذورها. الدكتور ديوب يقترح: “أولاً، يجب توفير وقود نظيف بأسعار معقولة عبر القنوات الرسمية. ثانياً، تشديد الرقابة على الباعة غير المرخصين. ثالثاً، إطلاق حملات توعية عن مخاطر الوقود المغشوش”.
أما على المدى البعيد، فيرى الاقتصاديون أن حل الأزمة يكمن في إعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري، واستثمار مصادر الطاقة المتجددة، وإصلاح نظام الدعم للوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
بينما تنتظر هذه الحلول، يواصل السوريون معاناتهم اليومية. كما تقول أم ياسر: “نعلم أن هذا الوقود يقتلنا ببطء، لكن عندما تكون أمام خيارين بين الجوع اليوم أو المرض غداً، تختار البقاء على قيد الحياة اليوم”. كلمات تعكس المأساة الإنسانية وراء أزمة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها قصة صراع يومي من أجل البقاء.