لكل السوريين

نساء حمص بين الحاجة والاستغلال.. معاناة يومية في ظل غياب الحماية القانونية

في شوارع حمص وأسواقها، تتنقل عشرات النساء يومياً إلى أعمالهن، حاملاتٍ معهن أحلاماً بتحسين أوضاعهن المعيشية، لكنهن يواجهن واقعاً مريراً من التمييز والتحرش والاستغلال. ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، تضطر العديد من العاملات لتحمل شتى أنواع الإهانات والمضايقات مقابل أجور زهيدة بالكاد تكفي لسد رمق أسرهن.

تقول أم علي، وهي أم لأربعة أطفال تعمل في محل لبيع الملابس في سوق الحميدية: “أعمل عشر ساعات يومياً مقابل أجر شهري لا يتجاوز 150 ألف ليرة، بينما يتقاضى زميلي الرجل ضعف هذا المبلغ لنفس العمل”. تضيف بحسرة: “المشكلة ليست فقط في الأجر، بل في النظرات والكلمات التي لا تنتهي من بعض الزبائن، لكنني مضطرة للصمت لأنني بحاجة لهذا العمل”.

لم تكن تجربة سلمى الأحمد أفضل حالاً، فقد اضطرت لترك عملها في أحد المطاعم بعد أن طلب منها المدير “تحسين مظهرها” و”إظهار المزيد من الود للزبائن” مقابل زيادة في الراتب. تروي سلمى: “في البداية ظننت أنه يقصد الاهتمام بالنظافة الشخصية، لكنه كان يريدني أن أكون وسيلة لجذب الزبائن، ففضلت الاستقالة رغم حاجتي الماسة للمال”.

في المستشفيات والمدارس، تبدو الصورة مختلفة ولكنها ليست بأفضل حال. مها، وهي ممرضة في أحد مستشفيات حمص، تشكو من تعرضها للتحرش اللفظي من بعض المرضى وذويهم: “أحياناً أسمع تعليقات غير لائقة، لكنني أتجاهلها لأن الشكوى قد تكلفني وظيفتي”. تضيف: “المشكلة أن الإدارة تتغاضى عن هذه التصرفات بحجة أن المرضى ليسوا على وعي كامل بسبب ظروفهم الصحية”.

أما في الأماكن العامة، فالقصة تتكرر بصور مختلفة. رنا، وهي معلمة، تروي كيف توقفت عن زيارة بعض المنتزهات في المدينة بعد تعرضها للمضايقات: “كنت أذهب إلى الحديقة العامة للاسترخاء بعد الدوام، لكن النظرات والكلمات البذيئة جعلتني أكره هذه الأماكن”.

في ظل هذا الواقع، تبقى الشكاوى القانونية نادرة للغاية. المحامي خالد الزهراني يوضح أن “القانون السوري ينص على عقوبات للتحرش، لكن التطبيق العملي يعاني من ثغرات كبيرة”. ويضيف: “الكثير من النساء يخشين تقديم شكاوى بسبب الوصمة الاجتماعية، أو خوفاً من فقدان عملهن”.

من جهتها، تقول الناشطة الحقوقية لينا ديوب: “المجتمع ما زال ينظر للمرأة التي تشتكي التحرش على أنها المذنبة، وهذا يدفع الكثيرات للصمت”. وتشير إلى أن “غياب الوعي القانوني وعدم ثقة النساء بجدوى الشكوى يزيدان من استمرار هذه الظاهرة”.

في بعض المؤسسات الصغيرة، تتحول ظروف العمل إلى شكل من أشكال الاستغلال المنظم. إحدى العاملات في معمل للخياطة، تفضّل عدم ذكر اسمها، تروي كيف يجبرها صاحب العمل على ساعات عمل إضافية دون مقابل، مع تهديد مستمر بالفصل إذا ما اشتكت: “نعمل من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساءً، وأحياناً أكثر، دون أي تعويض، لأن صاحب العمل يعرف أننا بحاجة ماسة للوظيفة”.

أمام هذا الواقع، تحاول بعض المنظمات النسوية في حمص تقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا. تقول مسؤولة في إحدى هذه الجمعيات: “نحاول توعية النساء بحقوقهن، ونقدم استشارات قانونية مجانية، لكن التحديات كبيرة جداً في ظل الثقافة السائدة وتردي الأوضاع الاقتصادية”.

يبقى السؤال إلى متى ستستمر نساء حمص في تحمل هذا العبء المزدوج بين حاجة ماسة للعمل وظروف عمل قاسية؟ في ظل غياب الحلول الجذرية وتفاقم الأزمة الاقتصادية، يبدو أن المعاناة ستستمر، بينما تزداد الحاجة إلى تغيير جذري في الثقافة المجتمعية والقوانين الحامية لحقوق المرأة.

- Advertisement -

- Advertisement -