لكل السوريين

الانفتاح الأوربي على دمشق… واقعية السياسة أم تبدّل الموازين؟

لم يعد الحديث عن انفتاح أوروبي متدرج على دمشق مجرد تسريبات دبلوماسية أو لقاءات بروتوكولية هامشية، بل بات مؤشراً سياسياً على تحوّل أوسع في مقاربة القارة الأوروبية للملف السوري ولتوازنات الشرق الأوسط عموماً. فبعد سنوات طويلة من القطيعة والعقوبات والرهان على عزل النظام السوري، بدأت عواصم أوروبية عديدة تعيد النظر في حساباتها، مدفوعةً بجملة من الوقائع التي فرضتها الجغرافيا والسياسة والأمن والاقتصاد.

هذا التقارب، وإن كان لا يزال حذراً ومشروطاً، يحمل دلالات تتجاوز الملف السوري الداخلي. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالحرب السورية أو بمستقبل السلطة في دمشق، بل باتت متصلة مباشرة بأمن المتوسط، وأزمة الهجرة، والطاقة، ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى التنافس الدولي المتصاعد في المنطقة.

أوروبا التي تعاملت لسنوات مع سوريا بوصفها ملفاً أخلاقياً وسياسياً معقداً، وجدت نفسها أمام واقع جديد: الدولة السورية لم تسقط، والرهانات على تغيير جذري لم تتحقق، فيما تمددت قوى إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ. روسيا رسخت حضورها العسكري والسياسي، وإيران عمّقت نفوذها، وتركيا أصبحت لاعباً أساسياً في الشمال السوري، بينما تراجع التأثير الأوروبي إلى حدود المساعدات الإنسانية والعقوبات الاقتصادية.

اليوم يبدو أن بعض الدول الأوروبية باتت تدرك أن استمرار الغياب عن دمشق يعني خسارة أي قدرة على التأثير في مستقبل سوريا والمنطقة. ومن هنا بدأت لغة “الانخراط الواقعي” تحل تدريجياً مكان خطاب القطيعة الكاملة. فملفات مثل اللاجئين، وشبكات تهريب المخدرات، والتنظيمات المتطرفة، لا يمكن التعامل معها من بعيد أو عبر البيانات السياسية فقط.

لكن الأهم من ذلك أن هذا الانفتاح الأوروبي المحتمل يعكس تحوّلاً أعمق في فهم الشرق الأوسط نفسه. فالعالم يعيش مرحلة إعادة تموضع كبرى، حيث تتراجع الأحادية الدولية وتتصاعد البراغماتية السياسية. وفي هذا السياق، لم تعد أوروبا قادرة على إدارة ملفات المنطقة وفق الرؤية الأميركية التقليدية وحدها، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الداخلية والضغوط الأمنية المتزايدة.

التقارب مع دمشق قد يمنح أوروبا فرصة للعودة إلى طاولة التأثير في الشرق الأوسط، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها أسئلة صعبة: كيف يمكن تحقيق توازن بين المصالح الأمنية والاعتبارات الحقوقية؟ وهل تستطيع أوروبا لعب دور مستقل فعلاً في المنطقة أم أنها ستظل أسيرة التباينات بين عواصمها المختلفة؟

أما إقليمياً، فإن أي تقارب سوري – أوروبي سيعيد ترتيب الحسابات لدى معظم اللاعبين. تركيا ستراقب بحذر أي تحوّل يمنح دمشق شرعية أوسع أو دعماً اقتصادياً قد ينعكس على ملف الشمال السوري. ودول الخليج التي بدأت بالفعل خطوات انفتاح تجاه سوريا قد تجد في الموقف الأوروبي الجديد غطاءً إضافياً لتوسيع التعاون وإعادة دمج دمشق تدريجياً في المحيط الدولي. كذلك فإن إيران وروسيا ستتعاملان مع الأمر من زاويتين مختلفتين: ترحيب بأي كسر للعزلة عن حليفهما السوري، مقابل خشية من عودة نفوذ أوروبي قد يحدّ من احتكارهما للتأثير داخل سوريا.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تصوير هذا التقارب بوصفه تحولاً دراماتيكياً سريعاً. فالعقوبات الأوروبية لا تزال قائمة، والخلافات السياسية لم تُحل، كما أن ملف إعادة الإعمار يبقى مرتبطاً بتفاهمات دولية معقدة. لكن مجرد انتقال النقاش الأوروبي من “كيفية عزل دمشق” إلى “كيفية التعامل معها” يكشف حجم التحول الجاري في الذهنية السياسية الغربية تجاه المنطقة.

في النهاية، تبدو سوريا اليوم مرة أخرى في قلب معادلات الشرق الأوسط، لا بوصفها ساحة حرب فقط، بل باعتبارها عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح القوى الإقليمية والدولية. وأي تقارب أوروبي معها لن يكون مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل جزءاً من إعادة رسم أوسع لخريطة النفوذ والتوازنات في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

- Advertisement -

- Advertisement -