حماة/ جمانة الخالد
مع دخول فصل الشتاء في مدينة حماة وضواحيها، تقف الأسر أمام تحدٍ متكرر كل عام، يتمثل في تأمين التدفئة، حيث لم تعد مسألة الدفء رفاهية، بل حاجة أساسية تتوقف عليها حياة الكثيرين في ظل ارتفاع الأسعار وتقلص البدائل المتاحة. بين الحطب والمازوت، يجد المواطن نفسه مضطراً لحساب كل ليرة، متسائلاً: ما هو الخيار الأقل كلفة؟
في حي الجلاء بمدينة حماة، تحدثت الصحيفة مع المواطن سامي الجابري، الأب لأسرة مكونة من خمسة أفراد، فقال: “عادةً نبدأ التحضير لموسم الشتاء منذ أواخر أيلول، لكن هذا العام الحسابات أصبحت أصعب. برميل المازوت وصل إلى حوالي 2,2 مليون ليرة، ونحن نحتاج على الأقل إلى برميلين لتدفئة منزل متوسط، وهذا يكلفنا أكثر من راتب الموظف الشهري بالكامل”، ويضيف سامي أن شراء المازوت دفعة واحدة أصبح صعبًا جدًا، لذلك اضطر إلى شراء كميات صغيرة على دفعات، الأمر الذي يشكل عبئاً إضافياً لكنه الحل الوحيد المتاح في الوقت الراهن.
من جانبه، يحكي كريم خليل، صاحب منزل قديم في حي الفردوس، عن خيار آخر اضطر للاعتماد عليه، وهو الحطب: “الحطب أقل كلفة قليلاً من المازوت، لكنه ليس خاليًا من المتاعب. النوع الجيد مثل الزيتون والسنديان غالٍ جدًا، وأحيانًا نضطر إلى المزج مع أنواع أرخص مثل السرو أو الكينا لتغطية الحاجة، رغم أنها لا تمنح الدفء نفسه”، ويشير كريم إلى أن كميات الحطب المتوفرة هذا الموسم أقل من الأعوام السابقة بسبب الرقابة على النقل والتجارة، ما يجعل الأسعار مرشحة للارتفاع في أي وقت.
في قرية الرصافة، تحكي الحاجة سلوى، سيدة خمسينية، عن تجربة يومية تعكس صعوبة المفاضلة بين الوسائل: “أضطر لحساب كل قطعة حطب وكل لتر مازوت قبل استخدامه. لا يمكننا شراء احتياجات المنزل دفعة واحدة، والأيام الباردة تزداد صعوبة مع كل ارتفاع للأسعار”، قصتها تعكس واقع العديد من الأسر التي تبحث عن حلول مؤقتة ومبتكرة لتخفيف العبء المالي، مثل استخدام الأغطية الثقيلة وإغلاق الغرف غير المستخدمة لتقليل الاستهلاك.
أما التاجر يوسف شحادة، المتخصص في تجارة الحطب بمدينة حماة، فيؤكد أن الإقبال على الحطب سيزداد مع أول موجة برد فعلية. ويضيف: “أسعار الحطب هذا الموسم تراوحت بين 2,5 و3 ملايين ليرة للطن حسب النوع والجودة. الزيتون لا يزال الأكثر طلبًا لأنه يعطي دفء أكبر، لكن المعروض قليل بسبب الجفاف والأشجار الميتة، ما جعل بعض الأسر تبحث عن أنواع أرخص”، ويشير إلى أن جزءاً كبيراً من سعر الحطب يذهب لتغطية تكاليف النقل، خاصة وأن غالبية الحطب يأتي من خارج المحافظة.
من الناحية البيئية، تثير هذه الحاجة لتأمين الدفء مخاوف حول الثروة الحراجية. المهندسة نجلاء الحداد، رئيسة دائرة الحراج بمديرية الزراعة، تقول: “نحن نكثف الجولات الرقابية لمنع قطع الأشجار الحراجية غير القانوني، كما نراقب نقل الحطب والتجارة فيه. كل هذا لضمان استدامة الموارد ومنع استنزاف الثروة الحرجية”.
وأضافت أن فرق التربية والتنمية تعمل على تشذيب الأشجار وتجهيز المواقع لإعادة التحريج في المواسم القادمة، بهدف التوازن بين حاجات السكان والحفاظ على البيئة.
وفي مشهد يومي آخر، يقف المواطنان عادل وسلمان في سوق الحطب بمدينة حماة، يتجادلان حول الخيار الأفضل: “المازوت أغلى، لكن أسهل استخداماً، والحطب أقل كلفة لكن يحتاج لمجهود وتحضير مستمر”، يقول عادل. بينما يضيف سلمان: “علينا الانتظار قليلاً حتى تنخفض الأسعار أو تظهر حلول بديلة، وإلا سنبقى نحسب كل ليتر وكل شعلة”.
بين المازوت والحطب، وبين الأسعار المرتفعة والموارد المحدودة، يجد أهالي حماة أنفسهم في مفاضلة صعبة، يبحثون فيها عن أقل الأعباء المالية وأقصى درجات الدفء الممكنة، في ظل شتاء يزداد برودته مع تعقد الحسابات الاقتصادية اليومية.