درعا/ رجاء مختار
تقف أم رائد في أسواق مدينة درعا القديمة، وهي موظفة في إحدى الدوائر الحكومية، أمام محل يبيع الفروج الحي والمجمّد. تتأمل الأسعار وكأنها تحاول إقناع نفسها أن ما تراه ليس صحيحاً. تهمس لابنتها: “كيلو الفروج الطازج بحدود 28 ألف… والمجمّد 14 ألف. يعني إذا بدي أشتري طازج لازم أعمل حسابي لباقي الأسبوع بشو راح نطبخ”.
بالنسبة لها، كما لمعظم الأسر في المحافظة، لم يعد الفروج خياراً تلقائياً على مائدة الطعام، بل معركة يومية بين التضحية بالجودة أو التضحية ببقية احتياجات الأسرة. ومع راتب لا يتجاوز مليون ليرة، تدرك أم رائد أن أي قرار خاطئ في السوق قد يؤثر على مجمل مصروف المنزل، فتتجه غالباً نحو المجمّد رغم خوفها من جودته وسلامته.
في بلدة نوى شمال درعا يعيش أبو فهد، نجار في الخمسين من عمره، تجربة مشابهة. يقول إنه لم يشترِ الفروج الطازج منذ أكثر من شهرين، وإنه اعتمد كلياً على المجمّد بعد أن أصبح الأرخص، موضحاً أن العائلات باتت تقيس خياراتها بدقة شديدة: “ما عاد فينا نعمل عزيمة أو نشتري كيلو إضافي احتياط… نشتري بس الحاجة. الأولويات تغيّرت كثير، وبصراحة إذا مو المجمّد يمكن كنا توقفنا عن أكل الفروج نهائياً”.
وبينما يختار أبو فهد المجمّد اضطراراً، يتحاشى البعض شراءه خوفاً من عدم معرفة مصدره، إذ تنتشر إشاعات عن فروج مجهول المصدر يدخل المحافظة بطرق غير نظامية، الأمر الذي يزيد القلق الشعبي تجاه هذا النوع من اللحوم.
وسط هذا الجدل الشعبي، خرجت لجنة الدواجن التابعة لاتحاد غرف الزراعة بتحذير شديد اللهجة يدعو الأهالي والمربين إلى الإبلاغ الفوري عن أي بائع يعرض فروجاً مجمّداً في الأسواق، معتبرة أن هذا النوع من التجارة “يسيء للمنتج الوطني” ويهدد عمل أكثر من عشرة آلاف مربٍ في الجنوب.
وبحسب اللجنة، فإن وزارة الاقتصاد كانت قد أصدرت قراراً واضحاً بمنع استيراد الفروج المجمّد وبيعه في الأسواق، مع السماح به فقط لمعامل المرتديلا. وبرأي رئيس اللجنة، فإن الفروج المجمّد القادم من الخارج يُباع بأسعار أقل لأن دول المنشأ تدعمه وتوفر له تكاليف إنتاج منخفضة لا يمكن للمربي السوري مجاراتها، وهذا ما يضع الإنتاج المحلي في خطر مستمر.
لكن هذا الخطاب الرسمي لم يلقَ قبولاً كبيراً لدى الناس في درعا، إذ يرى كثيرون أنه يتجاهل حقيقة الوضع الاقتصادي المتدهور في المحافظة.
أبو وسيم، صاحب محل صغير لبيع اللحوم البيضاء في بلدة تسيل، يقول إن طلب الناس على المجمّد ليس بسبب تفضيلهم له، بل لأنهم لم يعودوا قادرين على شراء الطازج، ويتساءل: “كيف بدهم يمنعوا المجمّد وما يعطونا بديل؟ المواطن مو خصم… هو نفسه المتضرر إذا ارتفعت الأسعار”.
ويشير إلى أن حماية المربين أمر مهم، لكن ذلك لا يمكن أن يتم عبر “مطاردة الفقراء في الأسواق”، بل عبر دعم المربين أنفسهم لخفض التكاليف، ومنح الناس سعراً معقولاً يمكن تحمله.
ويذهب محمود الخطيب، وهو مربٍ يملك مدجنة صغيرة قرب بلدة الكرك الشرقي، أبعد من ذلك، إذ يرى أن المشكلة ليست في المنافسة مع المجمّد بل في سلسلة التكاليف التي يخوضها المربي يومياً.
يقول إن تكلفة إنتاج كيلو الفروج الحي في درعا تجاوزت 32 ألف ليرة بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف، وتكاليف النقل، وصعوبة تأمين المازوت والكهرباء اللازمة للتدفئة في الشتاء. ويضيف أن بعض المربين يعملون بالخسارة شهراً بعد آخر، وأن أي انخفاض في سعر السوق يضربهم بشكل مباشر، بينما لا تمتلك المدجنات الصغيرة أي قدرة على امتصاص الخسائر مقارنة بالمنتجين الكبار.
ويعتبر محمود أن منع المجمّد قد يساعد مؤقتاً، لكنه لا يغيّر جذور المشكلة، لأن المربي سيبقى متعثراً ما دامت الأعلاف والوقود بأسعار مرتفعة إلى هذا الحد.
وفي درعا البلد، يشرح سامر الحشيش، وهو شاب يعمل في محل لبيع اللحوم، أن كثيراً من الأهالي باتوا يخلطون بين المجمّد النظامي والمهرّب، وهذا يشكل إرباكاً كبيراً للسوق. يقول إن بعض التجار يعرضون فروجاً مجهول المصدر دون تبريد مناسب ودون ختم صحي، ويبيعونه بسعر أقل بكثير من السعر الرسمي، وهذا ما يجعل المستهلك في قلق دائم.
وبحسب سامر، فإن الحل ليس في المنع فقط، بل في الرقابة الحقيقية على الممرات التي يمر منها الفروج المهرّب، وتطبيق معايير صحية واضحة تمنع الغش، إضافة إلى تخفيض تكاليف الإنتاج لضمان بقاء المنتج المحلي قادراً على المنافسة.
أما المستوردون الذين كانوا حتى وقت قريب يلبّون جزءاً من حاجة السوق، فيرون أنهم يُحمّلون مسؤولية لا علاقة لهم بها. أحدهم، رفض ذكر اسمه، قال إن الاستيراد النظامي كان يتم وفق موافقات رسمية وبفحوصات صحية دقيقة، وإنهم ساهموا خلال السنوات الماضية في سد النقص في الفروج الحي عندما تراجع الإنتاج المحلي.
وأضاف أن منع الاستيراد بشكل كامل دون إيجاد حلول واقعية للمربين سيجعل السوق عرضة للارتفاع المتكرر في الأسعار، لأن الإنتاج المحلي غير مستقر ويشهد تذبذباً كبيراً تبعاً لتوفر الأعلاف والمحروقات.
من جهة أخرى، يرى خبراء اقتصاديون في المحافظة أن المشكلة تتجاوز مسألة طازج أو مجمد، وتمتد إلى أزمة أعمق في الأمن الغذائي وتكلفة المعيشة. يقول الخبير الاقتصادي نبيل أبو صافي إن السياسات الحالية لا تحمي المستهلك ولا المربي، وإن المطلوب هو إيجاد توازن جديد بين كلفة الإنتاج وسعر البيع، عبر دعم الأعلاف، وتأمين المحروقات بأسعار مناسبة، وتسهيل القروض الصغيرة للمربين، إضافة إلى تشديد الرقابة على التهريب. أما المواطن، برأيه، فلا يمكن مطالبته بالإبلاغ أو المقاطعة طالما لم تُؤمَّن له بدائل حقيقية تلائم دخله.
وبين تضارب القرارات وتعدد الخطابات، يبقى أهالي درعا عالقين بين خيارين أحلاهما مرّ: طازج مرتفع الثمن يتجاوز قدرتهم، أو مجمّد أرخص لكنه مثير للجدل ومصدره مجهول أحياناً. وفي ظل هذه المعادلة، بات الفروج—الذي كان يوماً وجبة شبه يومية—عنصراً صعب المنال، وتحول إلى مؤشر جديد على عمق الأزمة المعيشية التي تعيشها المحافظة، حيث تنتقل معركة الأسرة من المطبخ إلى السوق، ومن السوق إلى حسابات الدخل، ومن هذه الحسابات إلى القرارات الحكومية التي لا تزال عاجزة عن إيجاد حل يرضي الجميع أو يوفر وجبة آمنة ومناسبة على مائدة السوريين في درعا.