يوسف علي – اللاذقية
تحوّلت الجلسة العلنية لمحاكمة المتورطين في أحداث العنف التي شهدتها مناطق الساحل السوري في آذار الماضي إلى محور نقاش واسع، بعدما كشف الفيديو المتداول عن أداء متناقض من جانب عدد من المتهمين المنتمين لوزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية.
فبدلاً من أن تشكّل الجلسة فرصة لعرض الحقيقة، برزت فيها روايات متضاربة وإنكار مباشر وافتقاد واضح للاتساق، ما أثار استياء الشارع السوري وأعاد النقاش حول ثقافة التضليل التي رافقت هذه الفئة لسنوات.
ظهر بعض المتهمين وكأنهم دخلوا الجلسة مقتنعين بأن الإنكار يمكن أن يشكّل طوق النجاة، إلا أن هذه المحاولة سرعان ما انكشفت أمام أسئلة القاضي والأدلة المعروضة، كانت الإجابات تتبدل بطريقة أربكت المتابعين، وتحوّلت كل جملة إلى محاولة جديدة للتملّص، رغم وجود تسجيلات وشهادات سابقة تؤكد روايات مختلفة كان المتهمون أنفسهم قد أدلوا بها في اعترافاتهم الأولية.
لعب دور الضحية
حاول عدد من المتهمين تصوير أنفسهم كضحايا للأحداث، متحدثين عن خوف وضغوط وتهديدات، وانهم كانوا متوجهين للدفاع عن المدنيين من فلول النظام بينما توثق مشاهد الفيديو انتهاكاتهم التي ارتكبوها بعدد كبير من الأهالي المدنيين، هذا التبدّل في المواقع زاد من ردود الفعل الغاضبة، واعتبره كثيرون محاولة لتحويل المحكمة إلى منصة خطابية بدلاً من كونها مساحة لكشف الحقائق.
التفاعل الشعبي مع الفيديو كان واسعاً، وتنوع بين السخرية من أداء بعض المتهمين والغضب من الإصرار على الإنكار رغم الأدلة المتوفرة، وفي ظل هذا الجدل، أجرت صحيفة السوري استطلاعاً في قريتي صنوبر جبلة والمختارية لمعرفة رأي السكان في ما شاهدوه.
في صنوبر جبلة، رأى معظم من استُطلعت آراؤهم أن ما ظهر في الجلسة “لم يكن دفاعاً قانونياً بقدر ما كان محاولة للكذب والنفاق”، وقال أحد الأهالي إن “المشهد كلّه كان أقرب إلى تمثيل ضعيف، والناس لم تعد تقبل بهذا النوع من المراوغة”.
أما في قرية المختارية، فعبّر عدد من المشاركين في الاستطلاع عن شعور بالإحباط، معتبرين أن الكذب والادعاء في جلسة قضائية علنية يزرعان الشك في قدرة أي محاكمة على الوصول إلى الحقيقة. وقال أحد أبناء القرية: “إذا كان الكذب يقال أمام القاضي والكاميرا، فكيف كانت تُدار الأمور أثناء المجازر؟”.
ورغم الاختلاف في المواقف، اتفق الجميع على نقطة واحدة: أنّ ما ظهر في الجلسة كشف للعلن أسلوباً ظلّ يُمارَس في الخفاء لفترة طويلة من تزييف الحقائق، وأن اللحظة الراهنة يجب أن تكون اختباراً للعدالة وليس فرصة لإعادة إنتاج الخطاب القديم، مطالبين المجتمع الدولي بإجراء تحقيقات وتحريات دولية لمحاسبة القاتلين للأهالي والمدنيين.
العدالة بين الامتحان والواقع
لم يكن ما جرى في القاعة مجرد أداء دفاعي منظم يقبله العقل، بل مؤشر على فظاظة الموقف وتبرير مجازر ضجّ بها العالم بأسرة، أما الأهالي قاطبةً فقد اعتبروا أن مهما كانت الأحكام التي ستصدر لاحقاً، فإن ما ظهر في الفيديوهات التي انتشرت عبر صفحات القتلى ذاتهم وبين قولهم وادعاءاتهم أنها ذكاء اصطناعي، قدّم للسوريين فرصة لمشاهدة طريقة التفكير التي اعتمدها بعض المنخرطين في المشروع الجهادي التكفيري على طوال سنوات، تلك الطريقة القائمة على الكذب والمناورة وتغيير الأدوار بحسب الموقف.
والفارق اليوم أن هذا الخطاب لم يعد يُقال خلف الأبواب المغلقة، بل أمام قاضٍ وأمام الرأي العام السوري بكل تفاصيله، بما في ذلك رأي القرى الصغيرة التي لم يعد يمكن تجاهل صوتها.