على الرغم من التغيّرات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا خلال العقدين الماضيين، فإن ظاهرة إنتاج وتهريب عقار الكبتاغون ما تزال واحدة من أكثر الظواهر غير الشرعية تأثيراً في البلاد، هذه التجارة التي تتجاوز نطاق الاقتصاد المحلي لتشمل شبكات دولية، لم تتوقف رغم سقوط النظام، بل شهدت توسعاً كبيراً في السنوات الأخيرة.
ويعكس استمرار هذه الظاهرة هشاشة البنية الأمنية بعد سقوط النظام، وضعف الرقابة، وتردّي الوضع الاقتصادي، فضلاً عن التأثيرات العميقة على الشباب والمجتمع بشكل عام، سواء على صعيد القيم الاجتماعية أو الفرص الاقتصادية أو الصحة العامة.
بدأ إنتاج الكبتاغون في سوريا قبل سنوات طويلة من سقوط النظام، لكن الصراع الداخلي والأزمات الاقتصادية جعلت هذه الصناعة سرّية ومنتشرة على نطاق واسع في مناطق متعددة.
وكانت تعمل هذه المصانع غالباً في مناطق بعيدة عن الرقابة المباشرة، أو تحت حماية جهات محلية شبه مسلّحة، مستفيدة من انعدام الرقابة على الحدود وتغيّر السيطرة الإقليمية.
ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الصناعة من مصانع صغيرة إلى شبكة واسعة تشمل تعبئة وتخزين ومراحل تهريب، ما جعل سوريا المصدر الرئيسي لحبوب الكبتاغون في الشرق الأوسط.
تُقدّر نسبة حبوب الكبتاغون التي يتم ضبطها في الدول المجاورة والتي مصدرها سوريا بنحو 80-85%، ويعود ذلك إلى قدرة الشبكات على التحرك بحرية في ظل غياب الرقابة الفعالة.
كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 100 مليون حبة ومئات الأطنان من المواد الخام تُخزّن سنوياً في مخازن سورية، قبل أن يتم توزيعها أو تهريبها إلى دول الجوار. هذا الحجم الهائل يوضح مدى الازدهار الاقتصادي لهذه التجارة غير الشرعية، التي تُعتبر من أكثر مصادر الدخل المربحة في البلاد، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من الفقر والبطالة وانهيار البنية الاقتصادية الرسمية.
تنتشر عمليات التهريب عبر الحدود السورية مع العراق وتركيا والأردن ولبنان، باستخدام طرق برية وجبلية صعبة المراقبة، بالإضافة إلى طرق بحرية وجوية. وتعتمد شبكات التهريب على سيارات خاصة وشاحنات مزوّدة بمخابئ سرية، كما تلجأ أحياناً إلى تهريب الحبوب داخل شحنات تجارية مشروعة أو عبر وسطاء دوليين، ما يجعل من الصعب على الأجهزة الأمنية ضبطها بشكل كامل.
في بعض العمليات، ضبطت السلطات العراقية شاحنات تحتوي على أكثر من طن من حبوب الكبتاغون القادمة من سوريا، أي ما يعادل ملايين الحبوب، في حين سجّلت ارتفاعات هائلة في المضبوطات بين عامي 2019 و2023 بلغت أكثر من 30 مرة.
الجانب الاقتصادي لهذه التجارة غير الشرعية يعكس ازدواجية حادة في الواقع السوري. فبينما كان الاقتصاد الرسمي يشهد ركوداً وانخفاضاً في القدرة الشرائية، وفر الكبتاغون عوائد مالية ضخمة لشبكات التهريب والإنتاج، كما يُشكّل مصدر دخل جذاباً للشباب والعائلات الفقيرة.
وكانت تضطر بعض هذه الفئات للانخراط في هذا النشاط بسبب البطالة أو فقدان الفرص الاقتصادية البديلة، ما أدى إلى تعميق الاقتصاد الموازي وزيادة الاعتماد على السوق غير الرسمية، بالإضافة إلى ذلك، فإن الطلب الكبير من دول الخليج وبعض الدول الأوروبية والآسيوية زاد من ربحية هذه التجارة ويعزز توسّعها، مما جعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.
تأثير تجارة الكبتاغون على الشباب والمجتمع كبير جداً. في مناطق النزاع والفقر، يُعتبر الانخراط في شبكات التهريب فرصة لكسب دخل سريع، ما يدفع بعض الشباب للانخراط في عمليات الإنتاج والنقل والتوزيع، رغم المخاطر القانونية والإدمان المحتمل.
إضافة إلى أن انتشار التعاطي بين الشباب ترك آثاراً صحية واجتماعية خطيرة، إذ أدى إلى فقدان القدرة على العمل، وزيادة العنف والجريمة، وتفكك الأسر، بالإضافة إلى تآكل القيم المجتمعية بسبب انتشار الاقتصاد غير الشرعي. وفي الوقت ذاته، أصبح الشباب عرضة للانخراط في نشاطات إجرامية أخرى، مثل التهريب أو السطو أو الاتجار بالبشر، نتيجة التواصل المستمر مع الشبكات الإجرامية الكبرى.
من ناحية القدرة الأمنية، فإن الواقع معقد للغاية. فالانقسام السياسي والسيطرة غير الموحدة على الأراضي السورية يجعل مراقبة الحدود ومعرفة مواقع الإنتاج وتنفيذ حملات فعّالة أمراً صعباً.
إضافة إلى ذلك، تملك شبكات التهريب حوافز مالية ضخمة لتجنب الاكتشاف أو لنقل النشاط إلى مناطق أقل مراقبة. وبالرغم من الحملات الأمنية الضخمة ومصادرة أعداد كبيرة من الحبوب، إلا أن الشبكات غالباً ما تجد طرقاً جديدة للتهريب، ما يجعل ضبط التجارة بالكامل شبه مستحيل بدون مقاربة شاملة تشمل الاقتصاد والتنمية الاجتماعية.
كما أن تداعيات تجارة الكبتاغون تتجاوز الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لتصل إلى الأبعاد الأمنية والسياسية. فهذه التجارة توفر موارد مالية هائلة للجهات الفاعلة على الأرض، سواء كانت ميليشيات محلية أو شبكات تهريب، ما يمنحهم قوة تؤثر على التوازنات المحلية وقدرتهم على التأثير في الأمن المجتمعي. وفي الوقت نفسه، تزيد هذه التجارة من صعوبة إعادة بناء مؤسسات الدولة، لأن جزءاً كبيراً من الشباب يجد في هذه الأنشطة فرصاً أفضل من الاقتصاد الرسمي، مما يحدّ من القدرة على جذبهم للعمل في المؤسسات الشرعية أو إعادة دمجهم في المجتمع بشكل سليم.
على المستوى الاجتماعي، تُظهر الدراسة أن هذه التجارة تعزز الاقتصاد الموازي وتشجع على ثقافة الاعتماد على السوق غير الرسمي. إذ أن المجتمعات التي تتعرض بشكل مباشر للإنتاج والتهريب تصبح أكثر تقبلاً لهذه الأنشطة، حيث يُنظر إليها على أنها مصدر دخل مشروع في ظل انعدام البدائل.
ويترتب على ذلك زيادة معدلات العنف، وتفشي الإدمان، وتفاقم الانقسامات الاجتماعية، إضافة إلى زعزعة الثقة في المؤسسات الرسمية. الشباب الذين يشهدون هذه البيئة غالباً ما يربطون النجاح المالي بالنشاط غير المشروع، ما يخلق دورة مستمرة من الانخراط في الجريمة والاقتصاد غير الرسمي.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب استراتيجية شاملة متعددة الأبعاد. على المستوى الأمني، يجب تعزيز قدرات الرقابة على الحدود وتطوير التنسيق مع الدول المجاورة لكشف مسارات التهريب، إلى جانب تكثيف الحملات لضبط المصانع والمخازن، وملاحقة الشبكات الإجرامية المنظمة.
على المستوى الاقتصادي، يتعين تقديم بدائل حقيقية للشباب والفئات الفقيرة، من خلال دعم المشاريع الصغيرة، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص عمل مستقرة ومجزية. أما على المستوى الاجتماعي، فيجب تعزيز برامج التوعية حول مخاطر المخدرات، وإعادة دمج الشباب المتعاطين أو العاملين في هذه الشبكات في المجتمع من خلال التعليم والتدريب المهني والدعم النفسي والاجتماعي.
تُعدّ ظاهرة تهريب الكبتاغون في سوريا انعكاساً لوهن البنية الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وتمثل تحدياً مزدوجاً للأمن الوطني والمجتمعي. استمرار هذه التجارة يعني استمرار تآكل النسيج الاجتماعي، وتأثير مباشر على الشباب والفئات الأكثر هشاشة، ويطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الحكومة والمجتمع على تقديم بدائل حقيقية ومستدامة.
ومن دون استراتيجية شاملة تتضمن عناصر أمنية، واقتصادية، واجتماعية، ستبقى تجارة الكبتاغون أحد أبرز مظاهر الاقتصاد الموازي في سوريا بعد النظام، مع آثار طويلة الأمد على استقرار المجتمع ومستقبله.