لكل السوريين

صناعة الثّريّات الدمشقيّة.. حين يصوغ الضوء ذاكرة المكان

في دمشق، حيث يلتقي عبق التاريخ بأنين النحاس ورفيف الضوء، تتدلّى من الأسقف حكايات لا تُروى إلا بلغة المعدن والنقش. فالثريّات التي تزيّن بيوت الشام القديمة ليست مجرّد مصادر إنارة، بل هي قطع فنيّة تتوهّج من قلب التراث، تعبق بأصوات المطرقة والمبرد والنار، وتروي مسيرة مدينةٍ عرفت كيف تحوّل الحرفة إلى فن، والفن إلى هوية.

منذ قرونٍ بعيدة، كانت الحرف اليدويّة الدمشقيّة عنوانًا للفخامة والدقّة، ومن بينها بزغت حرفة صناعة الثريّات النحاسيّة كفنٍّ يجمع بين الضوء والروح، بين الدقّة التقنيّة والإبداع الجماليّ، وبين الموروث الحرفيّ والانفتاح على العصر. واليوم، رغم تغيّر الأزمنة وتراجع مكانة الحرف أمام زحف الصناعات الحديثة، ما زال في دمشق رجالٌ ونساء يصرّون على أن يبقى النور دافئًا، مصنوعًا بأصابعهم كما كان قبل مئة عام.

تاريخيًا، لم يكن النور في دمشق مجرّد إنارة، بل رمزًا للحياة والقداسة. فهذه المدينة التي وُصفت بأنها “أقدم مدينة مأهولة في التاريخ”، شهدت كلّ تحوّلات الضوء: من مصابيح الزيت في العصور القديمة، إلى الفوانيس الزجاجية التي زيّنت بيوت التجار في العصر العثماني، وصولًا إلى المصابيح الكهربائية التي دخلت المدينة في بدايات القرن العشرين.

ومع دخول الكهرباء قبل أكثر من مئة وعشر سنوات، حدثت ثورة في المشهد الحرفيّ: فالفوانيس القديمة التي كانت تُصنع من النحاس والزجاج الملوّن فقدت وظيفتها التقليدية، لكن روحها لم تمت. هنا، تحرّكت عبقرية الحرفي الدمشقي، فابتكر شكلاً جديدًا من الضوء: الثريّا.
صارت الثريّا آنذاك امتدادًا طبيعيًا لفنّ النحاس الدمشقي، مزيجًا من التقاليد والفخامة، من المشغولات النباتية والهندسية التي تحمل بصمة الزمان والمكان.

ولأن دمشق مدينة لا تعرف الانقطاع بين العصور، حافظت على روحها في كل تحول. فحين تغيّر مصدر الضوء، بقي جوهره نفسه: “نورٌ من الشرق”. كانت الثريّات في بيوت القيمرية والميدان والصالحية تعكس الذوق الرفيع لأهل المدينة، تجمع بين الصنعة والرمز؛ بين الدفء الاجتماعيّ والبريق الجماليّ.

النحاس.. لغة النار واليد

يقول الحرفيون القدماء إن النحاس “معدنٌ له روح”، لأنه يتغيّر حسب مزاج الصانع وحرارة النار. وهذه الفلسفة الحرفية العميقة هي ما جعلت منه جوهر الصناعات الدمشقية منذ قرون.
ففي الأسواق التي رافقت نشأة المدينة منذ العصر الأموي، تميّزت صناعة النحاسيات بمكانتها الرفيعة، وكانت الورش تنتشر في الأسواق التاريخية مثل “الحميدية” و”القصاع” و”سوق مدحت باشا”، وتعلوها أصوات المطارق التي تضرب بإيقاعٍ متواتر يشبه موسيقى الزمن القديم.

من هذا النحاس الحنون كما يسميه الحرفيون، خرجت الثريّات التي زيّنت المساجد والكنائس، في تناغمٍ رمزيّ بين الأديان والطوائف. ففي مسجد بني أمية الكبير كما في كنيسة حنانيا، يمكن أن ترى أثر الحرفي الدمشقي وقد سكب من يده ومن قلبه روح الجمال في المعدن.

توارث الحرفيون سرّ التعامل مع النحاس عبر الأجيال. كانوا يقولون:

“النحاس لا يُحبّ العجلة، فهو يحتاج إلى الصبر والملاطفة بالنار.”
ولذلك لم تكن صناعة الثريّات مجرّد مهنة، بل طقسًا مقدّسًا تتداخل فيه النار والهواء والماء والمعدن، وتتجسّد فيه العلاقة بين الإنسان والمادة كما بين الروح والجسد.

شيخ الكار.. حارس الضوء

بين الحرفيين الذين حفظوا هذا التراث وصانوه من الاندثار، يبرز اسم عدنان تنبكجي، وهو أحد أعمدة حرفة تشكيل المعادن والفنون النحاسيّة في سوريا، وواحد من الذين أعادوا لهذه الصناعة بريقها في زمنٍ طغت فيه الآلات على الأيدي.

تنبكجي، المولود في عائلةٍ امتهنت الحرفة منذ ثلاثة أجيال، ورث عن أبيه وجدّه أسرار الصناعة، لكنه لم يكتفِ بتقليدهم. فبذكائه ووعيه الفنيّ، أدرك أن الزمن تغيّر وأن الحرفة لا بد أن تتطوّر دون أن تفقد روحها. ولهذا لُقّب بين زملائه بـ “معاصر التراث”.

يقول شيخ الكار في حديثه: «ورثت المهنة عن أبي وجدي، لكنني سعيت لأن أجعلها تتنفّس هواء هذا العصر. فأدخلت ألوانًا جديدة على النحاس، ودمجت بين الكلاسيكي والمعاصر، لأن الجمال الدمشقي لا يفقد مكانه مهما تبدّل الزمن.»

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، صنع تنبكجي مئات القطع الفنيّة التي زيّنت قصورًا وبيوتًا وسفارات. لم تعد الثريّا بالنسبة إليه مجرّد منتجٍ للعرض، بل رسالة حضارية، وجسرًا يربط بين دمشق والعالم.

ما يميّز الحرفي الدمشقي أنه لا يرى في عمله تجارة فحسب، بل هويةً وطنية. لذلك لم يكن غريبًا أن تشارك أعمال “تنبكجي” في معارض دوليّة تمثّل سوريا في الخارج.
من معرض بيروت الدولي للحرف، حيث فاز بالمركز الأول ممثلاً لاتحاد الحرفيين السوريين، إلى معرض الجزائر الدولي للصناعات التقليدية، وصولًا إلى معرض أبخازيا الدولي الذي كرّمه فيه رئيس الجمهورية شخصيًا.
كما شارك مع فريقه في معرض “أسوارجكوند ميلا” في الهند، أحد أكبر الملتقيات الحرفية في العالم، ليُثبت أن اليد السورية ما زالت قادرة على أن تنحت الجمال رغم كلّ ما مرّ بها من أزمات.

يقول شيخ الكار مبتسمًا: «كل جائزة نالتها أعمالي لم تكن باسمي، بل باسم دمشق. كنت أرى في كل تكريمٍ تأكيدًا على أن هذا التراث لا يموت، وأننا ما زلنا قادرين على تصدير النور من الشرق إلى العالم.»

أسرار النار والمطرقة.. كيف تولد الثريّا

صناعة الثريّا الدمشقيّة ليست عملاً بسيطًا؛ إنها رحلة طويلة تبدأ من الفكرة وتنتهي عند الضوء.
يبدأ الحرفي بتصميم الشكل على الورق، مستلهمًا الزخارف الإسلامية والنباتية والهندسية. بعد ذلك تُرسم النماذج على الخشب لصناعة القوالب، ثم تُسكب فيها المعادن المنصهرة.

تُستخدم في هذه العملية صفائح نحاسية مستوردة من يوغسلافيا أو إيران، أو نحاس مكرّر محلّيّ الصهر. يُذاب المعدن على درجة حرارة تتجاوز الألف مئوية، ثم يُسكب في القالب الرمليّ الذي يحافظ على أدقّ تفاصيل النقوش.
بعد التبريد تبدأ مرحلة الخراطة حيث تُصقل القطع، ثم اللحام والتجميع لتشكيل الأذرع والعروق والمشربيات. بعدها تُجرى عملية التنظيف والتلميع عبر عدّة مراحل دقيقة لإزالة الشوائب، ثم التلبيس اللونيّ الذي يمنح القطعة بريقها النهائيّ.

ويقول تنبكجي:

«طوّرتُ في ورشتي عملية تلبيس النحاس، حتى وصلت إلى 12 لونًا مختلفًا، بينها الذهبي، الفضي، البلاتيني، الكرومي، والنحاسي المعتّق. ولكل لونٍ طريقة إعداد خاصة ودرجات حرارة محددة. حتى اللمعة نفسها لها “وصفة” سريّة.»

أما المرحلة الأخيرة، فهي مرحلة الكهرباء والتجميع، حيث تُمدّ الأسلاك داخل الهيكل بأسلوبٍ فنيّ مخفيّ يضمن الأمان والجمال في آنٍ معًا. بعد ذلك، تُرصّع الثريّا بالكريستال أو الزجاج الملوّن، لتصبح جاهزة لتعلّق في بيتٍ أو مسجدٍ أو قاعةٍ وتبدأ رحلتها مع الضوء.

فريقٌ من الحرفيين.. أوركسترا النور

ورشة “تنبكجي” ليست مكان عملٍ فحسب، بل ورشة إبداعٍ جماعيّ يشترك فيها عدد من الحرفيين المهرة: “سمير الأشرم” في الخراطة، “محمد الرحبي” في التلحيم، “أحمد حروق” في التنظيف، و”هشام تنبكجي” في الكهرباء، وغيرهم من الشباب الذين تخرّجوا من دورات “حاضنة دمر المركزية للفنون الحرفية”.

يقول شيخ الكار:

«كل قطعة تمرّ على أكثر من يد، وكل يد تضيف إليها روحًا جديدة. أنا لا أعتبر نفسي صانعًا فقط، بل قائد فريقٍ من الفنانين. نعمل بروح واحدة، ونعلّم الجيل الجديد أن الحرفة ليست مهنةً بل أسلوب حياة.»

هذا التعاون الجماعيّ يذكّر بتقليدٍ قديمٍ في دمشق كان يُعرف باسم مجلس شيوخ الكار، وهو هيئة كانت تُشرف على تنظيم المهن وتمنح لقب “شيخ الكار” للحرفيين المتميزين. وقد حصل تنبكجي على هذا اللقب رسميًا تقديرًا لكفاءته العالية وسمعته الحسنة وحرصه على تدريب الشباب، بما في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة، الذين فتح لهم أبواب الورشة ليصبحوا شركاء في الإبداع.

من الشطرنج إلى البروكار.. ابتكارات تتجاوز الثريّا

لم يتوقف إبداع تنبكجي عند الثريّات فحسب، بل تجاوزها إلى أعمالٍ تجمع بين الفنون الدمشقية والعالمية. ففي مشروعه المعروف باسم ركن رقعة الشطرنج، الذي نال عنه جائزة الإبداع في سوريا، صنع رقعة فريدة من الخشب المطعّم بالموزاييك والأيبوكسي، وأحجارها من النحاس الملبّس نصفها بالبرونز ونصفها بالفضة، بينما جلس اللاعبان على كرسيين ملكيّين نحاسيين بزخارف تاريخية وتاجين مذهّبين، مكسوين بقماش البروكار الدمشقيّ الأصيل.

يقول عن هذا العمل: «أردت أن أجعل الفنّ السوريّ يحاور العالم من خلال لعبة الشطرنج. كلّ قطعة على الرقعة كانت تمثّل ثقافة، وكلّ حركةٍ فيها تحمل رمزًا من تراثنا. دمجت الماضي بالحاضر، كما نفعل في كلّ عملٍ ننجزه.»

التحديث والتصدير.. الحرفة في مواجهة العصر

يدرك شيخ الكار أن الحرفة التقليدية لا يمكن أن تبقى أسيرة الماضي، فالعصر يفرض لغته الجديدة، والأسواق العالمية تتطلب معايير مختلفة. لذلك التحق بدورة “دبلوم التصدير الاحترافي” التي أقامتها وزارة الاقتصاد وهيئة تنمية الصادرات السورية، ليكتسب معرفةً دقيقة بكيفية تسويق المنتجات الحرفية عالميًا.

«الحرفة لا تعيش بالعاطفة فقط، بل تحتاج إلى تخطيطٍ وتسويقٍ وفهمٍ للذوق العالمي. هناك طلب كبير على المشغولات النحاسية في أوروبا والخليج، لكن علينا أن نُقدّمها بما يليق بتاريخها وبذوق العصر. الثريّا الدمشقية يمكن أن تزيّن قصور باريس كما كانت تزيّن بيوت الميدان.»

بهذه الرؤية، يحاول شيخ الكار أن يبني جسرًا بين الأصالة والتحديث، بين الحرفة والتراث من جهة، والسوق الحديثة من جهة أخرى، مؤمنًا بأن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل تجديده بما يحفظ جوهره ويجعله قابلًا للحياة.

الحرفة كهوية وطنية

لطالما كانت الصناعات التقليدية السورية ركنًا أساسيًا في هوية البلاد الثقافية. فالموزاييك، والخشب المطعّم، والبروكار، والنحاس، كلها حكايات لأيدٍ ماهرة صنعت مجد دمشق عبر العصور. وصناعة الثريّات تأتي في طليعة هذه الحكايات لأنها تمثّل علاقة الإنسان بالنور، والنور بالذاكرة.

في وقتٍ تتراجع فيه كثير من المهن التقليدية بسبب الحداثة السريعة وغلاء المواد وقلّة الأيدي العاملة، يصرّ الحرفيون على مواصلة العمل. فهم لا يدافعون عن مهنة فقط، بل عن ذاكرة وطنٍ بأكمله.

يقول تنبكجي: «الحرف التراثية مطلوبة محليًا ودوليًا، وهي أكبر رديف للدخل الاقتصادي. لكنها أيضًا تمثّل وجهنا الحقيقي أمام العالم. من خلالها نحكي قصة بلدٍ أحبّ الجمال رغم كلّ ما مرّ به من مآسٍ.»

الثريّا الدمشقية.. بريق الذاكرة في زمنٍ يتغيّر

ما يميّز الثريّات الدمشقية عن غيرها في العالم هو تلك اللمسة الروحية التي لا تُشترى ولا تُقلَّد. فكلّ قطعةٍ تُصنع في ورشةٍ صغيرة خلف جدارٍ عتيق، تحمل في داخلها نبض المدينة. إنها ليست مجرد معدنٍ مصقول، بل “ذاكرة مضيئة” تختصر قرونًا من الإبداع والجمال.

وإذا كان النحاس عرضةً للأكسدة بمرور الوقت، فإن الحرفي الدمشقي وجد الحلّ: طبقة من اللكر الشفاف تحمي المعدن وتمنع تحوّله إلى الأخضر، وكأنها درعٌ يحافظ على الذاكرة من التآكل.

الثريّات القديمة التي كانت تزيّن قصور العظم والسباعي والعابد، ما زالت شاهدةً على هذا الفنّ، وبعضها يُرمَّم اليوم في ورشٍ متخصّصة لتعود فتضيء بيوت المدينة من جديد.

بين التراث والحداثة.. دمشق التي لا تنطفئ

حين تسير في دمشق القديمة ليلًا، وتلمح ضوء ثريّا نحاسية ينعكس على الزجاج الملوّن، تشعر أن المدينة لا تزال كما كانت منذ مئات السنين. فالنور ذاته الذي أضاء مجالس العلماء والشعراء، يواصل حضوره اليوم في البيوت والمقاهي الحديثة، وإن اختلفت الأشكال.

هذه هي دمشق، المدينة التي لا تنام على ظلام. فيها كلّ حجرٍ ينطق بالحكاية، وكلّ معدنٍ يعكس ذاكرةً. وفيها رجال مثل عدنان تنبكجي يحرسون النار القديمة كي لا تخبو، ويعلّمون الأجيال كيف تُصنع المعجزة من مطرقةٍ ونحاسٍ وشغف.

صناعة الثريّات الدمشقية ليست مجرد حرفةٍ عريقة؛ إنها خلاصة التاريخ الفنيّ لسوريا، مرآة روحها وحضارتها. ففي كلّ قطعةٍ منها يلتقي الضوء بالحرف، وتتنفّس الذاكرة عبر المعدن.
لقد استطاع الحرفيون الدمشقيون أن يطوّعوا النحاس ليصبح لغةً جمالية تعبّر عن هوية مدينةٍ لم تتوقف يومًا عن الإبداع، رغم كلّ ما مرّ بها من حروبٍ وتحولات.

وهكذا، حين تنظر إلى ثريّا نحاسية تضيء بيتًا دمشقيًا عتيقًا، تذكّر أن وراءها قرونًا من المهارة، وأجيالًا من الصبر، وأن الضوء الذي ينبعث منها ليس كهرباءً فقط، بل روح مدينةٍ صاغت نفسها من وهج النار وبريق النحاس، لتبقى دمشق — كما كانت دائمًا — مدينة النور الأبديّ.

- Advertisement -

- Advertisement -