لكل السوريين

حين تعود البذور إلى التراب: موسم القمح في درعا يحكي حكاية الصبر

درعا/ رجاء مختار

بدأ مزارعو درعا هذا الأسبوع موسم زراعة القمح، ومع أول حزمة من التربة المحروثة والجرارات التي تندفع في الحقول، بدت لقطات من الأمل المختلط بالقلق تملأ أفق المحافظة.

في قرية المشنف يتقدم أبو فراس، رجل في الخمسين من عمره، على جراره القديم، يلتقط أنفاسه بعد ليلة من السهر استعداداً للحرث، ويتحدث عن موسم “قد يكون مفرّقاً” بين حاجات العائلة وموثوقية الأمطار وكمية البذار المتاحة.

هذا المشهد الذي يتكرر في عشرات القرى يحمل في طياته رغبة بسيطة: أن يضمن القمح طعاماً وأجرة حياة بعد عام طويل من الضغوط.

تروي أم نادر، التي تعيل أسرة من خمسة أفراد بعد نزوح جزئياً من مدينة مجاورة، كيف أن زراعة قطعة صغيرة من الأرض أصبحت “أملنا الأخير”.

تهيئ حفيدها الأرض الصغيرة بأدوات يدوية بينما تراقب هي زراعة البذار بعين حذرة، لا لأنهم يوقنون بنتائج وفيرة، بل لأن الزرع نفسه يمثل استمرارية وحضوراً في الأرض.

بالنسبة لكثيرين هنا، الحقل ليس مجرد مورد اقتصادياً، بل شهادة على البقاء ورباطاً بين الجيل الذي عرف الأرض والجيل القادم الذي يحتاج إلى غرس جذور جديدة.

المشهد العام في درعا هذا الموسم متناقضاً؛ على الورق توجد خطط طموحة لزراعة مساحات واسعة من القمح، لكن الواقع العملي يطرح أسئلة عن قدرة الحقول على إنتاجية تُذكر بعد سنوات من التراجع والجفاف والتقلبات المناخية.

المزارعون يعترفون بأن التحديات كثيرة؛ فالتكلفة المتزايدة للوقود والأسمدة، وتراجع مياه الري في بعض المناطق، وشح البذار الجيد، كلها عوامل تجعل موسم الزراعة يحمل الكثير من المخاطر إلى جانب الأمل.

في مزرعة صغيرة قرب طفس، يوضح شاب يُدعى سامر أنه اختار زراعة مساحات أقل هذا الموسم بعد أن شهد جيرانه خسائر في الموسم الماضي.

“لو زرعت كما في السابق قد أفقد كل شيء”، يقول بحذر، “لكن لو لم أزرع ربما نخسر العجلات التي لا تتوقف عن الدوران؛ من أين سيأتي الدقيق لصنع الخبز؟”.

حكايات مثل حكاية سامر تظهر أن قرار الزراعة اليوم ليس مجرد تقنية فلاحية، بل رهانات على الأمن الغذائي والقدرة على التكيف.

الجهات المحلية تشجع على الزراعة وتعلن عن برامج لتأمين البذار وتشجيع الفلاحين، وتعمل مديرية الزراعة على جداول تستهدف مساحات محددة لكل موسم في محاولة لتجديد مخزون الحبوب المحلي.

لكن الأرقام التي يذكرها المزارعون لا تخلو من مرارة؛ فالمواسم الأخيرة شهدت تراجعاً حاداً في الإنتاج، وبعض التقديرات المحلية تشير إلى أن الإنتاج هذا العام أقل بكثير من احتياجات المحافظة، ما يجعل مسألة التسويق وتسلم المحصول وتحديد أجور الفلاحين من أبرز همومهم.

تحتوي قصص الفلاحين أيضاً على مشاهد إنسانية لا تقل أهمية عن الأرقام. موظف صغير في مديرية الزراعة، سميح، يقضي أيامه بين الحقول والمزارعين لشرح إجراءات استلام المحصول وكيفية التسجيل للحصول على البذار المدعوم.

يقول سميح إن مهمته باتت أشبه بوساطة بين عالم بيروقراطي يتغير بسرعة ومزارعين يحتاجون إلى ضمانات بسيطة: دفعة نقدية عند التسليم، وشفافية في الأسعار، وتوافر محطات تعبئة وخزن تعمل بكفاءة.

ولأن الأرض هنا تمر بمراحل تعافٍ هشّة، لا تتوقف المخاوف عند حدود الطقس والأسعار فقط؛ فالتجارب السابقة لموسم الحصاد تركت أثرها في نفوس الناس: دفعات متأخرة، أسعار متقلبة، ومخاوف من عدم قدرة الصوامع على استيعاب المحاصيل.

في إحدى القرى، يسرد الشيخ حسان قصة رجل سلّم محصوله بكدّ، وبعد أسابيع لم يستلم ثمنه، فيمسي السؤال عن الثقة بين الفلاح والدولة أو السوق أحد أهم دوافع قرار الزراعة أو التراجع عنها.

ومع ذلك، هناك إشارات على قدرة المجتمع المحلي على الابتكار: مجموعات شبابية تساعد المزارعين في توزيع العمل، وجمعيات قروية تؤمن تمويلاً بسيطاً لشراء البذار، وأسر تستخدم تقنيات بسيطة للحفاظ على التربة وترشيد المياه.

هذه المبادرات الصغيرة قد لا تبدو كبيرة أمام تحديات موسم كامل، لكنها تضع لبنة مهمة في طريق استعادة ثقة الفلاح في الزراعة كطريق للعيش.

في نهاية يوم طويل، ومع إصرار أناس أمثال أبو فراس وأم نادر وسامر، تبدو الأرض في درعا أكثر من مجرد رقعة تُزرع؛ إنها ساحة صمود ومسرحاً لقرارات حياتية يومية.

نجاح الموسم أو فشله لن يكون فقط في الكمية المجمعة، بل في استعادة قدرة الناس على الاعتماد على أنفسهم وعلى بناء منظومة تنصف المزارع وتعيد للقمح مكانته في وجدان السوريين.

هذه الزراعة الأولية اليوم هي محاولة لتثبيت وجود، ورسالة تقول إن الأرض ما زالت هنا، وإن من عليها سيواصل العطاء — وإن بدت المحاصيل محدودة، فإن الإصرار على الزرع نفسه يحكي قصة مجتمع لا يزال يحمل رغبة في الحياة.

 

- Advertisement -

- Advertisement -