لكل السوريين

حمص وحماة.. تصفية حسابات الماضي تهدد المدنيين واستقرار المدن

تقرير/ جمانة الخالد

تتعالى أصوات إطلاق النار بين الحين والآخر، في شوارع حمص القديمة وأحياء حماة المتشابكة، لتذكّر السكان بأن موجة العنف لم تنته بعد، وأن بعض من عملوا سابقاً مع النظام المخلوع وميليشياته لا يزالون يحاولون زعزعة الأمن والاستقرار في المدن. ليست عمليات اغتيال عشوائية تقتصر على المواجهات، بل تتخذ طابعاً ممنهجاً يستهدف المدنيين أحياناً لترويع السكان، وإرسال رسائل تهديدية لمن يتجرأ على الظهور علناً أو الاحتفاظ بحياته الطبيعية.

في حي الزهراء بحمص، يقول عماد، صاحب محل خضار، إن جيرانه يعيشون تحت الخوف الدائم: “قبل أيام، اقتحم شخصان ملثمان أحد المنازل مستخدمين بندقيتين، وأطلقوا النار على أحد الأشخاص البالغ من العمر أربعين عاماً، لم يكن له أي انتماء سياسي أو عسكري سابق، لكنه كان معروفاً بين الجيران بعلاقاته الطيبة”. الحادثة لم تقتصر على الخوف الشخصي، بل هزت الحي بأكمله، وجعلت الأهالي يعيدون النظر في أي حديث عن الماضي أو أي نشاط اجتماعي في الليل.

في حماة، يروي شاب يُدعى ياسر كيف تعرضت عائلته لمحاولة اغتيال بسبب علاقة أحد أقاربهم السابقة بقوات النظام. “لم يعد هناك أمان حتى للمدنيين، حتى إذا لم يشاركوا في أي صراع سابق”، يقول ياسر، موضحاً أن المهاجمين يستخدمون دراجات نارية صغيرة، وبنادق ومسدسات مزودة بكواتم صوت، ما يجعل العملية شبه مستحيلة للملاحقة أو التعرف على الفاعلين.

مصادر محلية أكدت أن بعض هذه العناصر السابقة، الذين كانوا يعملون في ميليشيات مختلفة، لم يكتفوا بالتخفي أو الاستسلام للقانون، بل يواصلون استهداف المدنيين بشكل مباشر أو غير مباشر، مستخدمين الاتهامات المزيفة بالارتباط بالشبيحة أو المشاركة في أعمال النظام المخلوع ذريعة لتصفية حسابات شخصية أو السيطرة على مناطق محددة. وتنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي حسابات مجهولة، تعرض صوراً لأشخاص مدنيين وتتهمهم زوراً بالمشاركة في أعمال عنف سابقة، بهدف تخويف السكان وخلق مناخ من الفوضى.

في حي المساكن بحمص، شهدت الساعات الأخيرة حادثة مماثلة، حيث حاول شخصان ملثمان مهاجمة تاجر أثاث محلي يُدعى سامر زين العابدين، مستخدمين بندقية، إلا أن الأعطال الفنية في السلاح حالت دون إصابته مباشرة، فاستعمل أحدهم مسدساً مزوداً بكاتم صوت، وأصابه في كتفه قبل أن يلوذ بالفرار. يقول جيران سامر إن الرجل لم يكن له أي صلة بالسياسة أو أي ميليشيات سابقة، وهو مجرد مدني حاول كسب رزقه من التجارة البسيطة.

المحامي عثمان الخضر يرى أن هذه الموجة من العنف تنبع من غياب المحاسبة على أعمال النظام السابق، لكنها تحولت اليوم إلى أداة لاستهداف المدنيين وترويعهم، وإشاعة الفوضى في المدن. “بعض هؤلاء يستخدمون الماضي كغطاء لتصفية الحسابات الشخصية، ويستغلون ضعف المؤسسات القضائية والأمنية في منعهم من استهداف المدنيين بشكل مباشر”، يقول الخضر، مشيراً إلى أن المواطنين باتوا يشعرون بأن أي تحرك أو نشاط يومي قد يجعلهم عرضة للتهديد.

أحد موظفي بلدية حماة، طلب عدم ذكر اسمه، أشار إلى أن السكان بدأوا يخفون هوياتهم ويحجمون عن التجول ليلاً، بينما أصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية. الأطفال يذهبون إلى مدارسهم بحذر، والمحلات التجارية تفتح أبوابها فقط خلال النهار، وكل نشاط اجتماعي يرافقه القلق من إمكانية حدوث حادث مفاجئ.

في هذه المدن، لا يقتصر تأثير العنف على الخوف النفسي، بل يمتد ليشمل الاقتصاد المحلي واستقرار الأحياء. أصحاب المشاريع الصغيرة يترددون في توسيع أعمالهم، والمواطنون يتجنبون التواجد في الأسواق بعد ساعات معينة، بينما بعض المناطق تتعرض لعمليات ابتزاز وتهديد مباشر تحت مسمى “مكافحة الشبيحة”، في حين أن الضحايا هم من المدنيين الأبرياء.

يبقى السؤال الحاسم: كيف يمكن للسلطات المحلية تعزيز الأمن وحماية المدنيين في ظل استمرار محاولات زعزعة الاستقرار من قبل عناصر تحاول الانتقام من الماضي؟ ومع غياب العدالة الانتقالية الفعلية، يبقى المدنيون في حمص وحماة الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن نزاعات لم يشاركوا فيها، ويعيشون على حافة الخوف، وسط مدن تتطلع إلى الاستقرار لكنها تواجه خطر استمرار العنف كجزء من إرث الماضي المظلم. وتبدو حمص وحماة مثالاً على أن الماضين مع النظام المخلوع لا يزالون يشكلون تهديداً، ليس للماضي وحده، بل لحياة المدنيين واستقرار المدن، ما يجعل حماية السكان ومحاسبة العابثين بالأمن المحلي ضرورة عاجلة وملحّة.

- Advertisement -

- Advertisement -