لكل السوريين

نساء شمال وشرق سوريا… من الهامش إلى صدارة المشهد

صباح خليل

شهدت مناطق شمال وشرق سوريا خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة أعادت تشكيل ملامح المجتمع والسياسة والاقتصاد في ظل الحرب التي اندلعت عام 2011.

وسط هذه التحولات الكبرى، برزت النساء كقوة اجتماعية وسياسية فاعلة، استطعن عبر النضال والعمل المستمر أن يتحولن من موقع التهميش إلى موقع المشاركة والتأثير، وأن يصنعن تجربة استثنائية في تمكين المرأة وبناء مجتمع أكثر عدلاً ومساواة.

فبعد طرد قوات النظام من أجزاء واسعة من شمال وشرق البلاد، بدأت ملامح إدارة ذاتية ديمقراطية تتشكل على أسس جديدة، تتبنى مبدأ المساواة بين الجنسين كشريك أساسي في صنع القرار، وقد نصّت اللوائح التنظيمية للإدارة على مشاركة النساء بنسبة لا تقل عن خمسين في المئة في المجالس والهيئات السياسية والإدارية، وهو ما أتاح لهن الوجود الفعلي في مواقع كانت مغلقة أمامهن لعقود طويلة.

هذه التجربة لم تقتصر على الجانب الرمزي، بل انعكست عملياً في صياغة القوانين المحلية والسياسات الاجتماعية التي تراعي حقوق المرأة وتدعم مشاركتها في الحياة العامة.

في هذا الإطار، تأسست مجالس محلية تمثل مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية، وتشارك فيها النساء بصورة مباشرة، ليس فقط كعضوات بل كصانعات قرار في مجتمعاتهن المحلية.

وقد أتاح ذلك لهن المساهمة في رسم السياسات الخدمية والتعليمية والتنموية، وتعزيز حضورهن في الحياة المدنية، وهذا التحول المجتمعي ساهم في إعادة تعريف دور المرأة، من كونها تابعة أو محصورة في المجال الأسري، إلى كونها شريكة أساسية في الإدارة والتنمية وصناعة المستقبل.

في الميدان العسكري أيضاً، برزت تجربة وحدات حماية المرأة (YPJ) التي شكّلت نقلة نوعية في مفهوم مشاركة النساء في الدفاع عن مجتمعاتهن، التحقت آلاف النساء بهذه الوحدات وتلقين التدريب والتمويل اللازمين، لتصبح هذه التجربة نموذجاً عالمياً في كسر القيود الاجتماعية التي كانت تحول دون انخراط المرأة في الأدوار القتالية أو الدفاعية.

وهذا الظهور لم يحمل دلالة عسكرية فحسب، بل رسّخ صورة المرأة القادرة على المبادرة وتحمل المسؤولية في أصعب الظروف.

أما في مجال التعليم، فقد أُطلقت برامج موسعة لتشجيع الفتيات على الالتحاق بالمدارس وتقليص نسب التسرب، بعد سنوات من التراجع الذي فرضته ظروف الحرب والنزوح، كما أنشئت مراكز للتدريب المهني والتعليم الحِرفي تهدف إلى تمكين النساء من اكتساب مهارات جديدة تؤهلهن لدخول سوق العمل وتحقيق استقلال اقتصادي يخفف من تبعيتهن ويزيد من مشاركتهن في النشاط الإنتاجي.

وبرزت في المجال الاقتصادي مشاريع صغيرة وتعاونيات نسائية أسهمت في تحسين مستوى المعيشة داخل المجتمعات المحلية، هذه التعاونيات وفرت فرص عمل جماعية للنساء في مجالات الزراعة والصناعات الغذائية والحرف اليدوية، وشكلت مثالاً على قدرة النساء على إدارة المشاريع وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.

وفي ظل الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها المنطقة، باتت هذه المبادرات مصدر أمان واستقرار نسبي لكثير من الأسر.

ترافق ذلك مع جهود ملموسة لمناهضة العنف ضد النساء من خلال إنشاء مراكز تقدم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للناجيات من العنف الأسري، إلى جانب تطوير خدمات الرعاية الصحية، خاصة في مجالات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة.

وساعدت هذه الخدمات في تحسين الوضع الصحي للنساء وتعزيز وعيهن بحقوقهن الجسدية والاجتماعية، كما أطلقت منظمات المجتمع المدني برامج توعوية تركز على كسر الصور النمطية التي تحصر دور المرأة، وتشجع على المساواة في الفرص والتعليم والعمل.

إلى جانب ذلك، لعبت النساء دوراً بارزاً في مسارات بناء السلام، فقد شاركن في مبادرات مثل “النساء من أجل السلام” التي تهدف إلى إدماج أصوات النساء في عمليات الحوار والمفاوضات، بما يضمن تمثيل رؤيتهن في مستقبل المنطقة.

ولم تكن هذه المشاركة شكلية، بل أسهمت فعلاً في ترسيخ ثقافة السلام والمصالحة المجتمعية داخل المناطق التي أنهكتها الصراعات المسلحة.

ورغم حجم الإنجازات التي تحققت، ما تزال النساء في شمال وشرق سوريا يواجهن تحديات متعددة، من بينها استمرار بعض الموروثات الثقافية التي تقيد حركتهن، وتفرض عليهن أدواراً تقليدية، إضافة إلى الظروف الأمنية الهشة التي تهدد الاستقرار، والأزمات الاقتصادية التي تحد من فرص العمل والتنمية.

ومع ذلك، فقد أثبتت التجربة أن النساء في هذه المنطقة يمتلكن القدرة على الصمود، والإصرار على تحقيق مزيد من التقدم رغم كل الصعاب.

إن الحفاظ على هذه المكتسبات وتعزيزها يتطلب عملاً متكاملاً على عدة مستويات، من تطوير التعليم الموجه للفتيات، وتوسيع البرامج التدريبية والقيادية، إلى سن قوانين تحمي النساء من العنف والتمييز وتضمن مشاركتهن في مواقع صنع القرار.

كما أن دعم التعاونيات والمشاريع النسائية الصغيرة، وتمكين منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق المرأة، يشكل أساساً لاستمرار الزخم الإيجابي الذي تشهده المنطقة.

تجربة نساء شمال وشرق سوريا اليوم ليست مجرد حالة محلية، بل نموذج إنساني يبرهن أن المجتمعات الخارجة من الحرب قادرة على إعادة بناء نفسها إذا ما أُعطيت النساء حقهن الكامل في المشاركة.

إنهن يكتبن فصلاً جديداً من تاريخ المنطقة، فبعد سنوات من التهميش، أصبحن رمزاً للمقاومة والنهضة والأمل، وشريكات فعليات في رسم ملامح مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً.

 

- Advertisement -

- Advertisement -