لكل السوريين

النفوذ الديني في المخيمات السورية… تحديات في زمن النزوح

حاوره/ مجد محمد

‏نوه شيرمان حسو إلى أنه رغم التحديات التي تواجه المخيمات من جراء تنامي النفوذ الديني المتشدد، إلا أن الحلول الممكنة تكمن في تعزيز الدعم الإنساني، وتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي، واستمرار التنسيق بين الأطراف المعنية لضمان حماية حقوق النازحين في المخيمات.

‏في ظل تداعيات الحرب السورية المستمرة، تحولت المخيمات إلى ملاذات لآلاف النازحين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة ديارهم، لكن إلى جانب تلك المساحة الآمنة ظاهرياً، برزت تحديات جديدة تتعلق بتنامي النفوذ الديني داخل هذه المخيمات، فبينما يفترض أن تكون المخيمات أماكن لتقديم المساعدة الإنسانية بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية، أصبح البعض منها يشهد تحولاً تدريجياً إلى مناطق تدار وفق قواعد دينية صارمة، وتحت تأثير جماعات متشددة.

‏النفوذ الديني المتشدد في المخيمات السورية يظل أحد التحديات الكبيرة التي تواجه النازحين في مناطق مختلفة من سوريا، ولكن عبر تعزيز التنسيق بين الجهات الإنسانية، وتحسين الظروف المعيشية، ودعم المجتمع الدولي، يمكن تقليص هذه الظاهرة بشكل تدريجي، فالتعايش السلمي داخل المخيمات يتطلب من الجميع التعاون، من النازحين أنفسهم إلى المنظمات الإنسانية والإدارية، لضمان بيئة آمنة ومستقرة تساعد في إعادة بناء حياة أفضل للأجيال القادمة

‏وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع شيرمان حسو، المشرف في منظمة NRC في الحسكة، ودار الحوار التالي:

‏*بداية، كيف يمكننا فهم ظاهرة النفوذ الديني المتزايد داخل المخيمات السورية؟

‏‏النفوذ الديني في المخيمات السورية ليس ظاهرة جديدة، ولكنه قد أخذ في التزايد منذ بداية النزاع، المخيمات كانت في البداية مجرد أماكن للاحتماء من ويلات الحرب، ولكن مع مرور الوقت، وخصوصاً في ظل الظروف المعيشية الصعبة، بدأت بعض الجماعات الدينية المتشددة في استغلال هذه الظروف لتوسيع نفوذها، هؤلاء يستغلون الحاجات الأساسية للنازحين مثل التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الغذائية لإيجاد قاعدة جماهيرية، وفي بعض الحالات أصبحوا يحكمون الأمور داخل المخيمات بما يتناسب مع رؤيتهم الدينية المتشددة، الأمر الذي يشكل تهديداً للسلام الاجتماعي داخل هذه التجمعات.

‏‏*هل هناك جماعات محددة في المخيمات تروج لفكر متشدد؟ وما هي أبرز سمات هذه الجماعات؟

‏نعم، هناك عدة جماعات تعمل في بعض المخيمات، وغالباً ما تكون هذه الجماعات قد تدرجت من التيارات السلفية الجهادية إلى التيارات التي تتبنى أفكاراً متشددة، مثل تلك التي تتبع الفكر المتطرف القريب من تنظيمات مثل “داعش” أو “القاعدة”، هؤلاء غالباً ما يعملون في الظل، ولا يظهرون بشكل علني في البداية، ولكن مع مرور الوقت يبدأون في فرض نفوذهم عبر سيطرة غير مباشرة على المجتمع، مثل تأسيس مدارس دينية تروج لأيديولوجياتهم، أو تنظيم فتاوى تشرع تطبيق أحكام صارمة على الحياة اليومية للنازحين.

‏‏كيف يتمكن هؤلاء من فرض سلطتهم في المخيمات رغم وجود هيئات إدارية وإنسانية تدير هذه المخيمات؟

‏‏القدرة على فرض السيطرة تأتي بسبب غياب سلطة مركزية قوية وفاعلة في بعض المخيمات، حيث تكون الهيئات الإدارية في كثير من الحالات عاجزة عن التدخل أو مواجهة هذه الجماعات بسبب الخوف من ردود فعلهم العنيفة أو بسبب قلة الإمكانيات والموارد، بالإضافة إلى ذلك الجماعات المتشددة تتمتع بقدرة عالية على التنظيم والتواصل مع النازحين، وتستغل ضعف الحالة الأمنية والاجتماعية في المخيمات لتوسيع دائرة نفوذها، كما أن بعض النازحين قد يلجؤون إلى هذه الجماعات بسبب حاجتهم للغذاء أو الحماية، ما يساهم في تنامي هذه الظاهرة.

هل يمكن أن نقول أن هذه الجماعات تتخذ المخيمات كـمناطق نفوذ مغلقة، وكيف يتم تنظيم ذلك؟

‏بالطبع، المخيمات التي تشهد تنامي النفوذ الديني المتشدد، تبدأ في التحول تدريجياً إلى مناطق نفوذ مغلقة، حيث تبدأ هذه الجماعات في فرض قوانينها الخاصة، سواء كانت دينية أو إجتماعية، على سبيل المثال قد يقومون بفرض نظام ملابس معين للنساء أو حظر بعض الأنشطة التي يرونها محرمة، بالإضافة إلى ذلك، يبدأ هؤلاء في عزل المخيمات عن العالم الخارجي، سواء من خلال قطع سبل التواصل مع المنظمات الإنسانية أو عبر تقييد حرية الحركة للأفراد، ما يجعل المخيم يظل مغلقاً أمام أي تأثيرات أو مساعدات قد تأتي من جهات لا تتفق مع رؤيتهم الدينية.

‏‏هل هناك تأثيرات سلبية لهذه الجماعات على النازحين، سواء على المستوى الاجتماعي أو النفسي؟

‏‏بالتأكيد، هذه الجماعات تسبب الكثير من التوترات داخل المخيم على المستوى الاجتماعي، تبدأ العلاقات بين الأفراد في التفكك، خاصةً في المناطق التي يفرض فيها تطرف فكري أو ديني، تبدأ الخلافات بين النازحين أنفسهم حول كيفية الحياة والتعامل مع الأمور اليومية، على المستوى النفسي، يتعرض الكثير من الأشخاص لضغوط نفسية كبيرة نتيجة الإكراه على الالتزام بقوانين صارمة، وهو ما يؤدي إلى مشاكل نفسية تتعلق بالخوف أو الاضطرابات التي قد تؤثر على الأفراد على المدى البعيد، الأطفال في هذه المخيمات قد يتأثرون بشكل خاص، حيث يترسخ في أذهانهم مفاهيم وأفكار لا علاقة لها بالسلام الاجتماعي.

‏‏*هل تجد أن هناك تجاوباً من قبل النازحين مع هذه الجماعات؟ وهل يتم اختيار الانضمام إليها أم أن هناك نوع من الإكراه؟

‏‏الجماعات المتشددة في المخيمات تنتهج طرقاً متعددة لجذب الأفراد، هناك فئة قد تنجذب إليهم بشكل طوعي، غالباً بسبب البحث عن هوية أو شعور بالانتماء، خاصةً في حالات اليأس أو الضياع التي يعيشها النازحون، ولكن في حالات أخرى، يكون هناك نوع من الإكراه، سواء عبر التهديد المباشر أو من خلال السيطرة على احتياجات أساسية مثل الطعام والماء، أو حتى من خلال فرض ضغوط اجتماعية على الأفراد للانضمام، وفي النهاية يمكن القول أن معظم الناس في المخيمات يتعاملون مع هذه الجماعات بشكل اضطراري، وليس طوعي.

‏*ما هي أبرز الحلول التي يمكن اتخاذها لمواجهة تنامي النفوذ الديني المتشدد في المخيمات؟

‏‏أولاً، يجب أن تكون هناك مراقبة من قبل الهيئات الإدارية المستقلة والمنظمات الإنسانية لمنع أي جماعة من فرض رؤيتها الخاصة على النازحين، وثانياً، يجب توفير دعم نفسي واجتماعي للنازحين، خصوصاً للأطفال والشباب الذين قد يكونون أكثر عرضة للاستقطاب من قبل هذه الجماعات، وثالثاً من المهم أن يتم تحسين الوضع المعيشي في المخيمات عبر توفير فرص التعليم والعمل للنازحين، وهذا يساعد على تقليص الفراغ الذي يمكن أن تملؤه الجماعات المتشددة، وأخيراً، يجب أن يكون هناك تنسيق أمني بين جميع الأطراف المعنية لمكافحة أي تهديدات قد تطرأ نتيجة لهذه الجماعات.

‏*هل تعتقد أن المخيمات في المناطق الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية أفضل من حيث منع هذه الظاهرة؟ وكيف؟

‏‏نعم، يمكن القول أن المخيمات في مناطق الإدارة الذاتية تتمتع بنوع من التنظيم والرقابة التي تحد من هذا النوع من النفوذ الديني المتشدد مقارنة ببعض المناطق الأخرى، ففي ظل وجود هيئات إدارية محلية وإدارة ذاتية، هناك تشديد أكبر على الأمن والتنظيم الاجتماعي، بالإضافة إلى ذلك، تدير هذه المناطق برامج تعليمية وصحية أكثر تطوراً، مما يساعد في بناء مجتمع أكثر توازناً يقلل من فرص دخول جماعات متشددة، ورغم ذلك لا بد من التأكيد على أن الرقابة يجب أن تكون مستمرة والجهود لتحسين الحياة اليومية للنازحين يجب أن تستمر.

‏‏*هل هناك تنسيق بين الإدارة الذاتية والمنظمات الدولية لمعالجة هذه الظاهرة؟ وكيف يؤثر هذا التنسيق على الوضع داخل المخيمات؟

‏‏نعم، هناك تنسيق مستمر بين الإدارة الذاتية والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لضمان توفير بيئة آمنة ومستقرة في المخيمات، هذا التنسيق يساعد في توفير الخدمات الأساسية بشكل أكثر فعالية ويضمن أن المخيمات تظل خالية من أي جماعات متشددة تسعى للسيطرة، كما أن التنسيق يساهم في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمجتمعات النازحة، وهو أمر حاسم في الحد من الانجذاب نحو الأيديولوجيات المتشددة.

‏‏*كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يسهم في الحد من تأثير الجماعات المتشددة في المخيمات السورية؟

‏‏المجتمع الدولي يمكن أن يلعب دوراً حاسماً في تقليص نفوذ الجماعات المتشددة عبر زيادة الدعم للمخيمات بما يشمل البنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، وتعزيز فرص العمل، كما يجب أن يتم التركيز على دعم مشاريع التنمية التي تعزز من قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة هذه الجماعات بشكل مستدام، بالإضافة إلى ذلك، من المهم أن تدعم المنظمات الدولية عملية بناء السلام الاجتماعي من خلال برامج توعية تشجع على التعايش المشترك وتعزز من قيم التسامح والقبول المتبادل بين النازحين بمختلف خلفياتهم الدينية والعرقية.

‏‏*هل تعتقد أن هناك حاجة لتغيير سياسة إدارة المخيمات في سوريا بشكل عام، وأين تكمن أبرز نقاط الضعف في السياسات الحالية؟

‏نعم، إدارة المخيمات تحتاج إلى إعادة تقييم شاملة، من أبرز نقاط الضعف التي أراها هي غياب التنسيق الكامل بين الجهات المختلفة المعنية، سواء كانت الإدارة الذاتية أو المنظمات الإنسانية أو المجتمع المحلي، كما أن بعض المخيمات تعاني من ضعف في الرقابة الأمنية مما يسمح للجماعات المتشددة بالتحرك بحرية، إضافة إلى ذلك الوضع المعيشي داخل المخيمات لا يزال غير ملائم، حيث يعاني الكثير من النازحين من نقص في الغذاء، المأوى، والفرص التعليمية، لذا يجب أن تكون هناك استراتيجيات أعمق لمعالجة هذه القضايا بشكل شامل ومستدام، مع تخصيص المزيد من الموارد لهذه المخيمات.

‏‏*ما هي رسالتك للنازحين في المخيمات الذين يعيشون تحت تأثير النفوذ الديني المتشدد؟ وكيف يمكن لهم الحفاظ على هويتهم الإنسانية والاجتماعية بعيداً عن هذه الضغوط؟

‏‏رسالتي لهم ان يتحملوا مؤقتاً هذا الوضع الصعب، ويجب عليهم أن يحافظوا على هويتهم الإنسانية أولاً، وعلى احترام التنوع الاجتماعي والديني داخل المخيمات، الانتماء إلى أفكار أو جماعات متشددة قد يوفر شعوراً بالأمان في البداية، لكنه قد يؤدي إلى مزيد من التفكك والانعزال على المدى الطويل، كما أن الحياة في المخيم يجب أن تكون فرصة لبناء المستقبل، ويجب أن يركزوا على التعليم والعمل والفرص المتاحة لهم لتحسين حياتهم. الحفاظ على علاقات إنسانية طبيعية مع الآخرين، والابتعاد عن التطرف، قد يكون أحد المفاتيح للخروج من دوامة التشدد والعيش بسلام.‏ ‏

- Advertisement -

- Advertisement -