تقرير/ رجاء مختار
تتجه الحياة الثقافية في سوريا نحو حالة من الانكماش المتصاعد، حتى باتت الأنشطة الفنية التي كانت تشكّل جزءاً من النسيج الاجتماعي شبه منعدمة في عدد من المدن السورية. في السنوات الأخيرة، قلّت العروض المسرحية بشكل حاد، وتراجعت الحفلات الموسيقية، وتقلّصت المعارض التشكيلية، ففتحت مكانها فعاليات ذات طابع رسمي أو ديني في غالب الأحيان، ما أثار استياء المثقفين والفنانين الذين يرون في هذا التراجع خطرًا على هوية وطنية متداخلة ومتعددة.
في مدينة حمص، على سبيل المثال، كان المركز الثقافي الذي كان يستضيف الموسيقى والعروض المسرحية بمثابة فضاء للإبداع والتواصل، لكنه بات يكتفي الآن باستضافة مناسبات دينية فقط، إذ توقّفت فرقة الأوركسترا التابعة لإدارة الثقافة عن الأداء، وكذلك اختفت الفرق الموسيقية المدرسية والشبابية التي كانت تنهض بالحياة الفنية في الأحياء. أما في دير الزور، فالمركز الثقافي القليل المتبقّي هناك يكافح من أجل البقاء، فالنشاطات التي تُنظّم غالباً هي دعوات مؤقتة من جهات خارجية، والمبادرات المحلية تكاد تذوب في دوامة العقبات المادية والإدارية.
لا يمكن النظر إلى هذا الانحسار بصيغة الاحتمال الاجتماعي وحده؛ فالأزمة الفنية السورية تراكمت نتيجة عوامل اقتصادية وسياسية متشابكة. الحرب المتواصلة أضرت بالبنى التحتية، فالمسارح والمؤسسات الثقافية تضرّرت أو أُغلقت، والمراكز الخدماتية التي احتضنت الفنون لم تعد صالحة للعمل كما في السابق. إلى جانب ذلك، شحّ الدعم الحكومي أو انعدامه دفع الكثير من الفنانين ومديري المشاريع إلى التخلي عن التنظيم، إذ باتوا يتحمّلون تكاليف الإنتاج والنقل والتجهيز بمفردهم، وهو عبء لا يطيقه غالبًا أي مشروع ثقافي محدود الموارد.
ومع أن بعض الحراك المدني يحاول أن يتسلل إلى المساحات المتاحة، إلا أن السيطرة الرسمية على المحتوى ما تزال قائمة، وتُمارس ضوابط دقيقة على ما يُعرض وما يُنتَج. المؤسسات الثقافية التي كانت تُفترض أن تكون منابر للفن أصبحت في الكثير من الحالات أدوات تنفيذ للسياسات الرسمية، أو خاضعة لرقابة مسبقة، ما أدّى إلى فقدان الاستقلالية وانحسار التجريب. من جهة أخرى، فقدان عدد كبير من الفنانين والمثقفين إثر الهجرة أو النزوح خلق فراغاً في الخبرات والطاقات التي لا تعوّض بسهولة، وسط تضرّر كبير في المخزون الثقافي والأرشيفات، وصعوبة في استعادتها.
من مظاهر هذا التراجع أيضاً غياب العروض العامة في أماكن سبق أن كانت تعج بالحياة؛ توقّف الفرق المسرحية، تقهقر المعارض والمطبوعات، بينما تعود بعض الصحف والمجلات الأدبية بخفوت إلى الساحة بعد انقطاع طويل، لكنها تجد نفسها في مواجهة تحديات مالية وتنظيمية ضخمة. ومع ذلك، ثمة بصيص مقاومة في المدن الكبرى، حيث بدأت بعض الاجتماعات الثقافية والندوات والحلقات الأدبية تنعقد في مقاهي أو أماكن غير رسمية، عودةً خجولة إلى الفعل الثقافي، رغم هشاشتها في كثير من الأحيان.
وتعتبر إعادة الحياة الثقافية في سوريا اليوم مهمة ليست سهلة، لكن الطريق لا بدّ أن يمرّ عبر منح مؤسسات الثقافة – الرسمية والمستقلة – الدعم المالي اللائق والمستمر، والعمل على تعديل التشريعات التي تقيد حرية التعبير، وتشجيع الشراكات مع جهات دولية وتنمية الفضاء الرقمي كبديل مؤقت في المناطق التي تفتقر إلى مرافق. كما ينبغي الاهتمام بالمبادرات المحلية في المحافظات والأرياف، وتعزيز التعليم الفني في المدارس، وتوفير ورشات للشباب، حتى يُراعى تمكين الثقافة من القاعدة إلى القمة.
إنّ ما نشهده اليوم ليس مجرد غياب حفلة موسيقية أو معرض تشكيلي، بل هو تراجع لجزء من الروح الجمعية، لذائقة المجتمع ونفَسه؛ وإذا لم تنطلق المبادرات اليوم، فقد يتحوّل هذا الفراغ إلى خسارة يصعب استعادتها على مستوى الفن، وعلى مستوى الذاكرة الوطنية والهوية الجماعية.